هل استعدت النخب العربية لاحتمال زلزال انفصال جنوب السودان

قوانين المنتدى
Bookmark and Share
- تحليلات سياسية أمنية للوضع الدولي عموماً.

هل استعدت النخب العربية لاحتمال زلزال انفصال جنوب السودان

مشاركةبواسطة SaWaMa » 04 مايو 2009 02:15

هل أصبحت دارفور قبرا للحلم الإسلامي في السودان؟

"لقد حفر الإسلاميون السودانيون قبرا جماعيا في دارفور لأنفسهم، ولحركتهم وتجربتها الرائدة، وهم يتحملون نتائج ذلك بؤسا وشقاء لهم ولشعبهم، وصدا عن الإسلام، وتيئيسا للناس من تحقيق العدل في ظلاله"..إن سوء صنيعنا في علاقة بعضنا ببعض وتسويغنا ما لا يستساغ هي الثغرة التي يدخل منها الآخرون دائما. وقد وقفنا مع صدام حسين في إبادة شعبه وغزو جيرانه، فكانت النتيجة أن خسرنا العراق وشعبه. وها نحن نقف اليوم مع البشير في إبادة شعبه وتشريده، وستكون النتيجة أن نخسر السودان وشعبه. فهل ننظر أخيرا في المرآة لنرى الخشب في أعيننا، بدل البحث عن القذى في أعين الغير؟

من حق أهل دارفور على الشعوب العربية والإسلامية أن تتعاضد معهم في وجه نظام الرئيس عمر حسن البشير والكوارث التي جرها على شعبه عمدا وإهمالا. بيد أن الناس في عالمنا العربي الإسلامي اعتادوا على العداء العاطفي لكل المبادرات الغربية في بلادهم، والنظر بريبة إلى كل حديث غربي عن تحقيق العدالة والإنصاف. وهو أمر يرجع إلى ما اعتادوه من الغربيين من التطفيف والازدواجية.

ومن هذا النزوع إلى الرفض العاطفي غير المؤسَّس على إدراك لتفاصيل الواقع التنكرُ الساذج لما ثبت بالمعاينة والتواتر من جرائم الحرب في دارفور، وكأن ضحاياها ليسوا بشرا يستحقون العطف والمواساة.

[hide-show]ومن أسباب هذا الموقف أن حكومة السودان تقدم نفسها باعتبارها "حكومة إسلامية" ومن الذي لا يتعاطف مع حكومة إسلامية ضد العدوان الغربي؟! بيد أن هذا المنزع العاطفي يغطي وراءه حقيقة برودة مشاعرنا تجاه ضحايا القمع والاستبداد السياسي في بلادنا، فنقع بحسن نية وطوية في ذات الازدواجية والتطفيف الذي نرفضه من الغربيين.

إن الصراع في دارفور عميق الجذور، وهو في أصله صراعان: أحدهما صراع على الموارد الشحيحة بين العرب الرحل والأفارقة القرويين من سكان جبل مرة، والثاني صراع بين الطامحين من أبناء دارفور إلى توزيع أعدل للسلطة والثروة وبين الحكومة المركزية في الخرطوم.

لكنَّ تحوُّل هذا الصراع ـ في ظل حكم الحركة الإسلامية السودانية ـ من مناوشات تقليدية إلى حرب طاحنة، ومن حرب موارد إلى صراع هوية يدعو إلى التأمل حقا.

فما هي العلاقة بين تفجر الصراع السنوات الأخيرة وبين التجربة الإسلامية السودانية التي بدأت بانقلاب عمر البشير عام 1989؟ وما مدى مسؤولية الإسلاميين في معسكريْ البشير والترابي عن إشعال الصراع واستمراره؟ وما هي دلالة هذا الصراع المدمر على مصير التجربة الإسلامية السودانية، وهي التجربة التي ملأت الدنيا وشغلت الناس وبعثت الآمال العريضة في يوم من الأيام؟

* من فقه الحركة إلى فقه الدولة:

"السبب في فشل الإنقاذ في رسالتها هو تخلف فقه الدولة عن فقه الحركة لدى الإسلاميين السودانيين, فلم تنجح تجربة إسلامية على مستوى الحركة كما نجحت التجربة السودانية، ولم تخفق تجربة إسلامية على مستوى إدارة الدولة كما فشلت تلك التجربة"..

لم يكن نجاح الإسلاميين السودانيين في الاستيلاء على السلطة عام 1989 صدفة عابرة، أو ضربة حظ وافر، بل كانت ثمرة تطور منهجي في الحركة الإسلامية السودانية على مر السنين: في وعيها العام، وبنيتها الهيكلية، وبنائها القيادي، وعملها في المجتمع، وعلاقتها بالسلطة، وعلاقتها بالحركات الإسلامية.. وهو ما جهدتُ في تقديم عبرته معتصَرة ومختصَرة في كتابي عن "الحركة الإسلامية في السودان.. مدخل إلى فكرها الإستراتيجي والتنظيمي".

لكن نجاح الثورة أكبر من مجرد استلام السلطة، والنجاح الفني ليس معيارا للنجاح المبدئي، خصوصا إذا كان أهله يحملون رسالة أخلاقية، تهدف إلى تحرير الناس لا إلى إخضاعهم.

وفي بلد كالسودان، متسع الأرجاء، ممزق الأحشاء، أنهكته الحرب الأهلية، وهددت فيه الحاجة إنسانية الإنسان، كان على الثورة الجديدة أن تتحمل أعباء زائدة، ومسؤوليات أخلاقية وإنسانية جسيمة، لم تواجه كل الثورات. ومن أهم تلك التحديات كما لخصتها في ختام كتابي المذكور عام 2001:

ـ أن على هذه السلطة أن تكف عن كونها حركة، وتقتنع بأنها أصبحت دولة، بكل ما يعنيه ذلك من دلالات سياسية وأخلاقية.

ـ وأن تسعى لإطعام الإنسان السوداني من جوع، وتأمينه من خوف، باعتبار ذلك أهم بند في رسالتها، وأول خطوة على طريق البناء.

ـ وأن تبني شرعية سياسية على غير القوة والإكراه، فلا خير في سلطة تستمد شرعيتها من القوة حصرا، ولا مجال لاعتماد فقه الضرورات إلى الأبد..

ـ وأن توقف النزف الإنساني الذي سببته الحرب الأهلية، لا بدماء الشباب المتعطش للجهاد والشهادة، بل بحكمة السياسة، ومنهج الحوار والتعايش.

ـ وأن تدرك أن جسم الدولة متسع للجميع، بخلاف جسم الحركة، فالعجز عن احتواء واستيعاب المجتمع، معناه العجز عن تغيير المجتمع.

ـ وأن تعرف أن الحلول الفنية ـ على أهميتها وحاجة العمل الإسلامي إليها ـ لا تكفي. فالدولة الإسلامية دولة فكرة ومبدأ، قبل أي شيء آخر.

ـ وأن تعترف بموقعها الحرج في المكان، إقليميا ودوليا، فتتحمل مسؤوليتها بوضوح، وتنأى بنفسها عن أسلوب المغامرات والمهاترات والتخبط والتورط.

ـ وأن تعترف بموقعها الحرج في الزمان ـ حاملة لراية الإسلام أيام غربته ـ فتعضد ذلك بمزيد من الإقدام والتوكل والحكمة والدراية.

وبالنظر إلى الوراء عقدين من الزمان، أعترف أن ثورة الإنقاذ فشلت فشلا ذريعا في رسالتها، وخيبت آمال الكثيرين ممن علقوا عليها بعض الآمال، وأنا منهم. كما أعترف أن حرب دارفور لخصت هذا الفشل أبلغ تلخيص.

وإذا كان لنا أن نجد تفسيرا فكريا لهذا الفشل يفترض حسن المقاصد، فهو تخلف فقه الدولة عن فقه الحركة لدى الإسلاميين السودانيين. فلم تنجح تجربة إسلامية على مستوى الحركة كما نجحت التجربة السودانية، ولم تخفق تجربة إسلامية على مستوى إدارة الدولة كما فشلت التجربة السودانية.

لكن التفسير الفكري لا يفسر كل شيء، فهنالك عنصر أخلاقي قد يفوق العنصر الفكري في أهميته، وتخلف هذا العنصر الأخلاقي في تجربة الإنقاذ هو الذي يفسر محنة دارفور، ويدين العديد ممن قادوا تلك التجربة ومن اتبعوهم.

* الترابي والبشير وصراع السلطة:

"التدهور الذي وقع في إقليم دارفور كان نتيجة سلسلة أخطاء مميتة، بدأت بإساءة إدارة الوضع السياسي وممارسة الإقصاء في حق أهل دارفور، ومرت عبر العجز عن التصدي للتمرد المسلح، ومحاولة مداراة هذا العجز أو تداركه عبر تشجيع الفوضى والإجرام".

منذ أن اندلعت الحرب الأهلية في دارفور عام 2003 ظهرت مراجعات فكرية مهمة لمسار الحركة الإسلامية السودانية، فجر شرارتها د. التجاني عبد القادر ـ وهو من القادة السابقين في الحركة ـ في مقالات نقدية عميقة تحمل عناوين ذات دلالة، منها ثلاثة مقالات بعنوان: "العسكريون الإسلاميون أمناء على السلطة أم شركاء فيها؟" ومقالان بعنوان "الرأسماليون الإسلاميون" واثنان آخران بعنوان "إخواننا الصغار ومشاريعهم التوسعية الكبرى".. وشارك في نقاش تلك المقالات عدد من قادة الحركة السابقين والحاليين، منهم د. عبد الوهاب الأفندي، والشيخ إبراهيم السنوسي، ومحمد الأمين خليفة أحد قادة ثورة الإنقاذ الذين لحقوا بالترابي بعد الانفصام بينه وبين البشير.

ويمكن للمراقب من بعيد مثلي أن يستخلص من تلك المطارحات والردود –ومما تيسر من محاورات مباشرة مع أنصار كل من الترابي والبشير- ملامح ما حصل داخل أحشاء الحركة فتولدت عنه محنة دارفور.

كتب د. عبد الوهاب الأفندي ملخِّصا أسباب الحرب في دارفور فقال "إن التدهور الذي وقع في إقليم دارفور كان نتيجة لسلسلة أخطاء مميتة، بدأت بإساءة إدارة الوضع السياسي وممارسة الإقصاء في حق أهل دارفور، ومرت عبر العجز عن التصدي للتمرد المسلح، ومحاولة مداراة هذا العجز أو تداركه عبر تشجيع الفوضى والإجرام، وأخيرا العجز والتخبط في إدارة الكارثة التي نتجت وذيولها الدولية." وهذا تلخيص دقيق وحكم صائب، وإن لم يعط الخلفية التاريخية التفصيلية، خصوصا في شقها المتعلق بالحركة الإسلامية.

إن الجذور الاجتماعية للصراع في دارفور كانت موجودة دائما، مثلها مثل الكثير من الصراعات الكامنة في دول العالم الثالث، لكن تفجُّر الصراع التقليدي إلى حرب إبادة وتهجير بدأ ببداية الصراع بين الترابي والبشير.

فقد كانت خطة الحركة الإسلامية في السودان بعد استيلائها العسكري على السلطة أن تُخرج انقلابها بواجهة وطنية لا إسلامية، ثم تتدرج خلال ثلاثة أعوام من "التأمين" إلى مرحلة "التمكين" التي تذوب فيها الحركة في الدولة، وتكشف عن وجهها الإسلامي سافرا، بما في ذلك تسليم العسكريين السلطة للمدنيين وتقلُّد د. الترابي منصب رئاسة الدولة.

وظل نوع من التوازن يحكم العلاقة بين جناح الترابي وجناح البشير في السلطة، من خلال تقاسم الأمور في سلطة ذات رأسين يقود كل من الرجلين أحد رأسيها. كان الترابي يقود الحركة الإسلامية وهي بمثابة حكومة مدنية خفية، وكان البشير يقود الحكومة العسكرية العلنية.

ثم بدأ اتجاه داخل العسكريين وبمساندة من بعض المدنيين داخل الحركة يميل إلى احتفاظ البشير بالسلطة وإقصاء الترابي، واستطاع هذا الاتجاه أن يكسب المعركة بعد إقدام الترابي ـ ثقة منه في العسكريين الذين رباهم وأطَّرهم ـ على ارتكاب خطإ إستراتيجي، وهو حل أجهزة الحركة التي كانت تمثل مصدر القرار والشرعية الداخلية. ويومها بدأ الانشقاق المعروف بين البشير والترابي عام 1999، وكانت الغلبة للبشير بعد أن تخلى الترابي ـ طوعا وغفلة ـ عن سنده بحل الحركة.

"كان من الممكن للحركة الإسلامية السودانية أن تسير في ختام مرحلة "التأمين"، في أحد مسارات ثلاثة: الأول أن يتخلى العسكريون عن السلطة, والثاني أن تجد الحركة الإسلامية مكانا لطرفيها المختلفين في إدارة الدولة, والثالث إقصاء العسكريين لإخوانهم المشاركين لهم، وانضم الإسلاميون المنحدرون من دارفور في غالبيتهم الساحقة إلى جناح الترابي، ربما لأنه كان مساندا لفكرة المركزية الإدارية وتقوية الحكومات المحلية، وهو ما عمق الحنق عليهم من طرف الرئيس البشير وجناحه.

وكان من الأخطاء الفادحة التي ارتكبها الرئيس البشير، تصفية الجيش والأمن من الضباط الإسلاميين المنحدرين من دارفور، ربما خوفا من أن يستخدمهم الترابي ضده، كما استخدمه هو ضد الصادق المهدي. لكن هؤلاء سرعان ما تحولوا إلى نواة التمرد والحرب الأهلية في دارفور.

لقد كان من الممكن للحركة الإسلامية السودانية أن تسير في ختام مرحلة "التأمين" في أحد مسارات ثلاثة:

أولها، أن تسود الرؤية التي تبناها الترابي وجناحه في الحركة، فيتخلى العسكريون عن السلطة، ويتم تطبيق الديمقراطية (ولو بشكل جزئي) واللامركزية التي دعا إليها الترابي، وسانده فيها أهل دارفور وأهل الجنوب. وتدل النظرة إلى الوراء اليوم على أن هذا الخيار كان هو الأحكم والأعدل.

ثانيها، أن تجد الحركة الإسلامية مكانا لطرفيها المختلفين في بنية سياسية، تعطي الترابي شيئا من القيادة الفكرية والتشريعية، وتمنح جناح البشير وعلي عثمان شيئا من السلطة التنفيذية، وهو ما سيديم وضع الازدواجية والصراع داخل الأجهزة الحكومية.

وثالثها، إقصاء العسكريين وحلفائهم الذين يملكون السلطة التنفيذية لإخوانهم من خارجها. وهو ما تم بالفعل، حينما حل البشير البرلمان عام 1999 وأعلن حالة الطوارئ ووضع شيخه الترابي في السجن. وكان هذا الاتجاه هو الذي ولدت فيه محنة دارفور في شكلها الكارثي الحالي.

* الحركة الإسلامية ومحنة دارفور:

كان أهل دارفور من الإسلاميين المشاركين في الحركة الإسلامية يعلقون آمالا عريضة على ثورة الإنقاذ، أقلها أن ترفع الضيم عن إقليمهم، وتكفل لهم حضورا منصفا في جهاز الدولة ونصيبا منصفا من خدماتها، لكن سرعان ما خاب ظنهم.

"كان أهل دارفور من الإسلاميين المشاركين في الحركة الإسلامية يعلقون آمالا عريضة على ثورة الإنقاذ، أقلها أن ترفع الضيم عن إقليمهم وتكفل لهم حضورا منصفا في جهاز الدولة ونصيبا منصفا من خدماتها، لكن سرعان ما خاب ظنهم".

ولم تكن خيبة الظن هذه جديدة مع الأسف، فقد بدأت بوادرها في الثمانينات، حينما استقال عدد من القادة الإسلاميين المنحدرين من دارفور من الجبهة الإسلامية القومية التي يقودها الترابي آنذاك احتجاجا على دعم الجبهة للقبائل العربية في دارفور ضد قبيلة الفور الأفريقية.

ثم تجلت خيبة الأمل أكثر عام 1990 بتمرد صغير قاده داود بولاد ضد حكومة الإنقاذ. والمثير للاهتمام حقا هو أن بولاد كان يعتبر يومها أحد القادة الإسلاميين من قبيلة الفور القاطنة في دارفور (ومنها أخذ الإقليم اسمه التاريخي) وقد ترقى بولاد في سلم الحركة الإسلامية حتى أصبح رئيسا لاتحاد طلاب جامعة الخرطوم ممثلاً للحركة الإسلامية التي يقودها الترابي.

قضت حكومة الإنقاذ على التمرد بسهولة وأعدمت بولاد نفسه، مما ترك جرحا عميقا لدى أهل دارفور، خصوصا الإسلاميين منهم. وينظر أهل دارفور اليوم إلى بولاد على أنه شهيد قضيتهم، وأنه رجل سابق على عصره، كما تمدحه أدبياتهم بأنه كان حافظا للقرآن الكريم عميق التدين ومهندسا متميزا. بينما وصفته دعاية حكومة الإنقاذ حينها بأشنع الأوصاف والتهم، ومنها أنه ارتد عن الإسلام ومزق المصحف الشريف. وقد اعترف الترابي فيما بعد ـ حسبما أفضى به إليَّ أحد المقربين منه ـ بأن حكومة الإنقاذ لم تأخذ العبرة من تمرد بولاد، فكانت حرب دارفور الأخيرة عاقبة لذلك.

وعلى خطى بولاد، سار د. إبراهيم خليل، الذي يقود اليوم "حركة العدل والمساواة" المتمردة في دارفور، والمقربة من الترابي وحزبه (المؤتمر الشعبي). وقد كان إبراهيم من القادة البارزين في الحركة الإسلامية السودانية، حتى إنه تقلد عدة مناصب وزارية بعد ثورة الإنقاذ.

وتدل حالة إبراهيم ـ ومن قبله حالة بولاد ـ على أن مشكلة دارفور لا يمكن فصلها عن مشكلة الحركة الإسلامية السودانية وعجزها الفاضح في بناء دولة العدل التي بشرت بها السودانيين خلال نصف قرن قبل انقلاب 1989، ثم الأنانية السياسية التي اتسم بها قادة الحركة في صراعهم الداخلي، ثم كيد بعضهم لبعض بطريقة انتهازية لم تحترم أسس التعامل الإنساني، فضلا عن الأخلاق الإسلامية.

وقد تجلت الانتهازية والأنانية السياسية في تمرد الضباط الإسلاميين المنحدرين من دارفور بتشجيع من الترابي بعدما فصلهم البشير من أعمالهم، ثم برهن البشير وعلي عثمان لشيخهما الترابي على أنهما أكثر انتهازية منه، فسلحا قبائل البدو وأطلقا يدها لإبادة أهل دارفور وتشريدهم.

ومن قبلُ، رمى البشير وعلي عثمان شيخهم الترابي في غياهب السجن مرة لأنه اختلف معهما حول شكل الدولة وهيكلتها الإدارية ومن يحكمها من أبناء الحركة (وقد دلت الأيام على صدق رأي الترابي في ضرورة اللامركزية وحكم الأقاليم) ومرة لأنه التقى جون غرنغ، ثم هرول الرجلان بعدها مباشرة إلى أحضان غرنغ ليمنحوه ما لم يحلم به قط مع الترابي أو المهدي.

"لقد حفر الإسلاميون السودانيون قبرا جماعيا في دارفور لأنفسهم، ولحركتهم وتجربتها الرائدة، وهم يتحملون نتائج ذلك بؤسا وشقاء لهم ولشعبهم، وصدا عن الإسلام، وتيئيسا للناس من تحقيق العدل في ظلاله".

وجدير بالشعوب العربية والإسلامية اليوم أن تدرك ذلك، بدلا من التعاطف الساذج مع من لا يقيم وزنا لدماء أبناء شعبه وكرامتهم. إن دماء الفقراء المشردين في دارفور وكرامتهم الإنسانية لا يقلان وزنا عند الله عن دم الرئيس البشير والدكتور الترابي وكرامتهما، والاستصراخ في وجه العدوان والتطفيف الغربي لا يصلح مبررا للوقوف إلى جنب الظلمة من المسلمين. فمتى تفهم الشعوب العربية والإسلامية ذلك؟

وربما يحسن بنا هنا أن نختم بدعوة المفكر الإسلامي السوداني الدكتور عبد الوهاب الأفندي للإسلاميين في السودان إلى "أن ينصروا إخوانهم بكف أيديهم عن الظلم إتباعا للنصيحة النبوية، وأن يسارعوا إلى نجدة المنكوبين والتضامن معهم، وأن يطالبوا من داخل الحكومة بمساءلة ومحاسبة ومعاقبة المسؤولين عن هذه الكوارث السياسية والعسكرية والإنسانية التي لم تهدد النظام فقط، بل تهدد اليوم وجود السودان".

هذا إضافة إلى ما وجهته من ضربة للعلاقات العربية الأفريقية، ولمستقبل العمل الإسلامي في دارفور. وكم هو حق ما كتبه الأفندي بعد هذا النداء مباشرة "نعم هناك بالقطع خطر يتهدد الإسلام في السودان اليوم، ولكنه خطر مصدره الخرطوم، لا نيويورك أو واشنطن".

إن سوء صنيعنا في علاقة بعضنا ببعض وتسويغنا ما لا يستساغ هي الثغرة التي يدخل منها الآخرون دائما. وقد وقفنا مع صدام حسين في إبادة شعبه وغزو جيرانه، فكانت النتيجة أن خسرنا العراق وشعبه. وها نحن نقف اليوم مع البشير في إبادة شعبه وتشريده، وستكون النتيجة أن نخسر السودان وشعبه. فهل ننظر أخيرا في المرآة لنرى الخشب في أعيننا، بدل البحث عن القذى في أعين الغير؟[/hide-show]

بقلم محمد المختار الشنقطي - 18-4-2009 مجلة العصر
آخر تعديل بواسطة Archivarius في 09 يناير 2011 05:15، عدل 3 مرات.
SaWaMa
S-Mod
S-Mod
 
مشاركات: 574
اشترك في: 06 ديسمبر 2008 03:28
مكان الإقامة: Lebanon
الجنس: Male
الإحصائيات والأدوات:
Get more followers

هل استعدت النخب العربية لاحتمال زلزال انفصال جنوب السودان

مشاركةبواسطة For Lebanon » 22 مارس 2010 06:36

السودان ولاّدة الحروب!

يعد السودان من أكثر الدول تنوعاً وتعدداً، حتى أطلق عليه اسم «أفريقيا الصغرى» لما فيه من التنوع العرقي والديني واللغوي. وقد كانت مشكلة التكامل الوطني هي كبرى المعضلات التي واجهت الدولة السودانية بعد الاستقلال. وكان السؤال الأكثر حضوراً في السياسة السودانية منذ ذهاب المستعمرين هو: كيف يمكن التعامل مع هذا التنوع الكثيف ليكون مصدراً من مصادر القوة والثراء الثقافي بدلاً من ان يكون مصدراً من مصادر التشرذم والانقسام.
ويرجع هذا التنوع إلى عدة أسباب، منها اتساع مساحة البلاد الذي أدى إلى تنوع مناخي ونباتي أثر بشكل مباشر على النشاط الاقتصادي، كما ان موقع وسط السودان ومرور نهر النيل فيه جذب إليه المهاجرين من أفريقيا وشبه الجزيرة العربية على نحو قاد إلى تعددية واضحة، كذلك فإن انتشار المسيحية والإسلام بالبلاد، بالإضافة إلى بعض الجماعات الوثنية قاد إلى تعددية دينية.
وقد قادت هذه الأسباب، بالإضافة إلى الحدود المصطنعة التي رسمها الاستعمار الأوروبي للقارة الأفريقية في مؤتمر برلين (1884 ـ 1885) والتي تأثر بها السودان كواحدة من الدول الأفريقية، الى تعددية عرقية وثقافية ولغوية واقتصادية.
تشير بعض الدراسات العلمية الموثوقة إلى أن في السودان نحو 56 جماعة عرقية تنقسم إلى 597 جماعة فرعية، وقد أصبحت المشاكل الأساسية الناجمة عن التعدد العرقي هي الأوضح في السودان. وأصبح الأساس في السودان التصنيف أولاً على الأساس العرقي ثم تأتي بقية التصنيفات.
أثارت مشكلة الهوية جدلاً واسعاً في السودان. وانقسم المثقفون بين دعاة العروبة ودعاة الأفريقانية. والحديث عن الثنائية الجامدة في الهوية تراجع إلى حد كبير، وذلك لسببين، الأول هو الوصول إلى اتفاقية سلام بين الشمال والجنوب أزالت ذلك التناقض، كما برزت مشاكل داخل معسكر الشمال نفسه في دارفور وشرق السودان، ما أوحى بالاتجاه نحو التعددية بدلاً عن الثنائية في إطار الحديث عن الهوية السودانية.
يتميز السودان بتعددية دينية واضحة. ولكن ذلك لم يكن مصدراً من مصادر الصراع في مراحل التاريخ السوداني السابقة للاستعمار الانكليزي، وقد عمل الاستعمار البريطاني على تمزيق الوحدة الوطنية عن طريق استغلال الدين، حيث قام بإطلاق يد الجمعيات التبشيرية في جنوب البلاد لتقوم اختلافات دينية بين الشمال (المسلم) والجنوب (المسيحي). وبعد الاستقلال سعى الغرب بكافة الوسائل إلى إشعال فتيل الحرب الدينية بين أبناء البلاد حيث صور للجنوبيين أنهم ضحايا الشماليين المسلمين، ووجدت الحركة يومئذ تعاطفاً كبيراً في الغرب بحسبانها تسعى إلى بسط الحريات الدينية في البلاد.
تركزت المشاريع التنموية في السودان في أواسط البلاد، بينما تعاني أطرافه قلة المشروعات. ويرجع السبب في ذلك إلى مرحلة الحكم الاستعماري. لقد عمد الاستعمار إلى الاستثمار في مجال زراعة القطن. ووقع اختياره على منطقة الجزيرة في الوسط لقيام المشروع، بسبب خصوبة الأراضي ووفرة المياه واعتدال المناخ. وأدى قيام المشروع في تلك الأنحاء إلى تطور منطقة الوسط بشكل عام.
إن خطورة التنمية غير المتوازنة على الوحدة الوطنية تكمن في ان الجماعات التي تشعر بالإهمال في الجوانب التنموية يقل ولاؤها للوطن. وفي السودان حيث تتداخل هذه الجوانب التنموية مع الأوضاع العرقية والثقافية، يكتسب التخطيط التنموي بعداً سياسياً واجتماعياً خطيراً، اذ من شأنه تهديد الوحدة الوطنية. إن مشكلة دارفور هي مثال على ذلك وانتهت الى انتهاج سبيل العنف. والعنف في دارفور كان مدفوعاً بمسألتين واحدة محلية وأخرى وطنية. تركزت النقمة المحلية على الأرض وهي ذات خلفية مزدوجة، الخلفية العميقة هي الإرث الاستعماري الذي قسم دارفور بين القبائل بحيث أعطى بعضها أراضٍيَ وحرم الأخرى. اما الخلفية المباشرة فهي أربعة عقود من الجفاف والتصحر فاقمت الصراع بين القبائل التي تمتلك الأرض والقبائل التي لا تمتلكها. فالتمرد هو الذي أوصل الحال إلى حرب أهلية (قبلية) متواصلة.
بدأ الصراع في دارفور على شكل حرب أهلية محلية (1987 ـ 1989) وتحول إلى تمرد (بدءا من عام 2003). ولم ينظر إليه كإبادة جماعية الا أحد طرفي الحرب الأهلية، أي القبائل التي تمتلك الأراضي، وتسعى إلى صد القبائل التي لا أرض لها، او تفتقر إلى الأرض وتهرب من امتداد الجفاف والصحراء. فمنذ مؤتمر المصالحة المنعقد عام 1989 في دارفور، كان ذلك الطرف يستخدم لغة الإبادة الجماعية. لكن التهمة لم توجه إلى الحكومة السودانية، بل إلى ائتلاف القبائل الذي يقاتل الطرف الآخر. لكن الكونغرس الأميركي قرر أن تلك الأعمال هي «إبادة جماعية» وذلك عام 2004.
لاحظ المراقبون الوحشية الفظيعة التي خاض بها الجانبان الحرب الأهلية. وذلك ينبع من نقطة الانطلاق الطبيعية للصراع. الصراع على الأرض يتعلق ببقاء الجماعة. وإذا كانت الرهانات كبيرة، فإن الوسائل الفتاكة لخوض ذلك الصراع جاءت من القوى الخارجية. وقد عقد في الدوحة أخيراً اتفاق لوقف النار بين الحكومة وحركة العدل والمساواة. نرجو أن يكون قد وضع حداً للحرب.
لعله من الواضح أن الإثنية في السودان، كانت عنصراً من عناصر الهدم. وقد أسهم الاستعمار في إيجاد مشكلة للجنوب ابتداءً. الا ان الحكومات الوطنية لعبت هي الأخرى أدواراً في استمرار الأوضاع المتأزمة وفشلت في علاج المشكلة. وعلى الرغم من توقيع اتفاقية السلام الشامل (اتفاقية نيفاشا في كينيا عام 2005) فلا تزال الشكوك تحيط بالطرفين ويتجلى ذلك في الصراعات المستمرة بين الشريكين التي أوشكت ان تطيح بالاتفاقية نفسها.

سمير التنير السفير 05/03/2010
آخر تعديل بواسطة Archivarius في 16 ديسمبر 2010 22:21، عدل 1 مرة.
For Lebanon
Advanced Member
Advanced Member
 
مشاركات: 645
اشترك في: 07 ديسمبر 2008 00:56
حقل مخصص: Vis Ta Vie #:يا حلاوة:#
مكان الإقامة: France
الجنس: Male
الإحصائيات والأدوات:
Get more followers

هل استعدت النخب العربية لاحتمال زلزال انفصال جنوب السودان

مشاركةبواسطة Archivarius » 12 سبتمبر 2010 00:50

دارفور... صداع سوداني، بين خط الصدع الإتني وخط الصدع الجيوستراتيجي

1- مقدمات جيوتاريخية

يرى البعض أن الصراع في دارفور، هو صراع بين عرب وأفارقة، ويرى البعض الآخر أنه صراع بين رعاة ومزارعين على الأرض والماء والكلأ، بينما يرى بعض المحللين أن الصراع هو تنافس سياسي داخلي على السلطة والثروة، بين تيارات وأحزاب وقوى مختلفة داخل النظام وخارجه. كما أن الكثير ممن يتابعون لعبة الأمم يدركون أن أزمة دارفور هي صراع استراتيجي دولي، يندرج ضمن لعبة الصراع على المصالح والموارد بين الدول الكبرى، والتنافس في ما بينها، وأخيراً يعتبر البعض ممن يؤيدون نظرية المؤامرة، أن الولايات المتحدة الأميركية هي المحرك الأساسي للأزمة، لتقسيم السودان، واستكمال بناء إمبراطوريتها، عبر تفتيت مكامن الخطر على أمنها القومي، والسيطرة على حوض النفط العالمي، الممتد من آسيا الوسطى وبحر قزوين، عبر الشرق الأوسط وانتهاءً بأفريقيا، وحتى شواطئها الغربية المطلة على المحيط الأطلسي، وقطع الطريق على الصين ومنعها من السيطرة على بترول السودان ودول أفريقية أخرى.
إن معرفة ما يجري في إقليم دارفور السوداني، ودراسة القضية من جوانبها المختلفة قد يقودنا إلى إدراك ماهية الأزمة الحالية، وذلك عبر تحليل مكوّنات تشكّلها تاريخياً واجتماعياً واقتصادياً وسياسياً، ومن ثَمَّ جيوبولتيكياً وجيوستراتيجياً.

[hide-show]أ - الموقع
يقع إقليم دارفور في أقصى غرب جمهورية السودان، بين خطّي العرض 9 و20 شمال خط الاستواء، وخطّي الطول 16 و28 شرقي غرينتش. تحدّه ليبيا من جهة الشمال، وجمهورية تشاد من جهة الغرب، وجمهورية أفريقيا الوسطى من جهة الجنوب الغربي، أما من جهة الجنوب فتحدّه ولايتا بحر الغزال الغربية والشمالية السودانيتان، ومن جهة الشرق تحدّه ولاية كردفان والولاية الشمالية السودانيتان أيضاً، وذلك وفق تقسيم السودان العام 1994 إلى 26 ولاية، تضم عدداً من المحافظات والمحليات(1). يمتد الإقليم من الشمال إلى الجنوب، إلى أكثر من 1000 كلم، ومن الشرق إلى الغرب بأكثر من 500 كلم في بعض المناطق، وهو بذلك يشبه مستطيلاً مساحته أكثر من 500 ألف كلم2، أي 5/1 مساحة السودان (2,5 مليون كلم2)، أو ما يزيد عن نصف مساحة مصر، وأكبر من مساحة العراق، ويقارب مساحة فرنسا.
إن أقرب نقطة من الإقليم تبعد عن العاصمة الخرطوم حوالى 600 كلم وأقصى نقطة تبعد أكثر من 1200 كلم.

ب - أقسام الإقليم وسكانه
قُسّم الإقليم العام 1994 بموجب المرسوم الدستوري العاشر، إلى ثلاث ولايات هي: شمال دارفور وعاصمتها الفاشر، وغرب دارفور، وعاصمتها الجنينة، ثم جنوب دارفور وعاصمتها نيالا.
يقدر عدد سكان الإقليم حالياً بحوالى 7 ملايين نسمة، ينتمون إلى أكثر من 100 قبيلة، يتكلمون أكثر من 14 لغة، ويدينون جميعهم بالإسلام، وأغلبهم على المذهب المالكي. ويمكن تقسيم هذه القبائل إلى قبائل ذات أصول عربية وأخرى ذات أصول أفريقية.
وأهم قبائل دارفور هي:الفور، وهي أكبر القبائل في الإقليم، وتعتبر مع فروعها ثاني أكبر إثنية في السودان بعد العرب ويشكلون 10% من سكان السودان البالغ 35 مليون نسمة، وقد أعطوا اسمهم للإقليم فأصبح يعرف بديار الفور أو دارفور ويتمركزون في جبال مرّا(2). وبعد الفور تأتي قبائل: الزغاوة - المساليت - البرتي - التاما - البرحق - الفلاتة - الميدون -التنجر - القِمَر - الداجو.
أما القبائل العربية فأهمها: الرزيقات - التعايشة - بنو فضل - الزيادية - المسيرية - الماهرية - بنو هلبة - المعاليا - المحاميد - الحوطية - الرطرية(3).
ونظراً إلى جغرافية الإقليم ومتاخمته لدول ثلاث(4) هي ليبيا وتشاد وأفريقيا الوسطى، وكون الحدود مع هذه الدول منبسطة ولا حواجز طبيعية فيها تمنع حركة تنقل الناس، تقيم قبائل مشتركة بين دارفور وهذه الدول. وقد أسهم الانتماء لقبيلة تنتشر في عدة دول، في التأثير بتكوين أزمة دارفور وتداعياتها اللاحقة.

ج - دارفور في التاريخ
يعتقد بعض المؤرخين أن الإقليم كان موطناً للعديد من القبائل الأفريقية، ومع مرور الزمن استقرت فيه مجموعات من الساميين، والحاميين، جاؤوا من الشمال والشرق والغرب، بحثاً عن المراعي لقطعانهم، والمياه المتوافرة في جباله، ومنحدراتها الغربية. وبعيد فتح مصر منتصف القرن السابع الميلادي إندفع قسم من العرب المسلمين نحو الإقليم واستقر حوالى ربع مليون نسمة منهم هناك، وتصاهروا مع السكان الموجودين(5)، ولما كان هؤلاء الوافدون الجدد أصحاب عقيدة وحضارة، فقد أثّروا في ثقافة الإقليم، ودين الأغلبية التي كانت تتشكل من العرب والبربر المتهوِّدين . إستمرت الهجرات المختلفة عبر طريق القوافل الممتد من بحيرة تشاد ونهر النيجر نحو الشمال حتى تونس وليبيا، ومن الشرق عبر الطريق الممتد نحو الإقليم من مصر، عبر أسيوط وهو ما يعرف بطريق الأربعين، التي تصل مصر بعاصمة دارفور القديمة كوبي. وأشهر القبائل العربية التي استقرت وانتشرت في الإقليم هي بنو هلال وبنو حسين، وذلك في القرن الحادي عشر والثاني عشر للميلاد(6).

د - التاريخ المٌدَّون
يبدأ التاريخ المدوّن لدارفور في القرن الرابع عشر الميلادي مع تأسيس سلطنة التنجور التي جاء أتباعها عن طريق «واداي» في تشاد وأزاحوا أسرة الداجو وكان أول ملك منهم أحمد الماكور الذي تزوج من ابنة آخر حاكم في أسرة الداجو، وقد أخضع السلطان الجديد زعماء كثير من القبائل لسلطانه، وجعل الإسلام دين المملكة، وقد عرف عهده بالرخاء والازدهار.
ولما خلفه ابنه البكر المعروف بالسلطان دالي، عمل على التقرب من عامة الناس الذين يحكمهم، ذلك أن أمه كانت تنتسب لقبيلة الفور. وقد قسَّم دالي مملكته إلى مقاطعات، ووضع قانوناً جزائياً عرف باسم كتاب دالي، وهو مستوحى من القرآن الكريم، وما يزال محفوظاً حتى اليوم. ويعتبر ابنه سليمان، الذي يطلق الفور عليه لقب صولون وتعني العربي أو الأحمر مؤسس أسرة الكيرا الشهيرة، وكان محارباً عظيماً ومسلماً مخلصاً، وقد حكم من العام 1596 حتى العام 1637 م.
بعد سليمان جاء ابنه أحمد بكر (1682-1722) فجعل الإسلام دين الدولة الرسمي، وعمل على تنمية المملكة وازدهارها بتشجيع الهجرة إليها، خصوصاً من تشاد الحالية. وقد امتدت دولته شرقاً حتى تجاوزت نهر النيل إلى عطبرة. بعده دخلت المملكة في صراع على الوراثة بين عدة أبناء خَلّفَهم وراءه، مع أنه أوصاهم بأن يتداولوا الحكم دورياً، ولكن هذا لم يمنع من وقوع حروب أهلية بين أبنائه استمرت حتى العام 1786م. وهذا ما جعل دارفور تعيش حالة انحطاط وتدهور، وتصبح مطمعاً لجيرانها(7).
يعتبر السلطان محمد تراب أحد أبناء السلطان أحمد بكر أهم حاكم في هذه الفترة المضطربة من تاريخ دارفور، فقد قاد عدة حملات عسكرية ناجحة لم تتجاوز أم درمان ضد قبائل الفونج، ووقف عند نهر النيل.
بعده تولى السلطة شقيقه عبد الرحمن الملقب بالراشد أو العادل، والعام 1799 أرسل رسالة يهنىء فيها نابليون بونابرت عندما احتل مصر وقضى على المماليك، فرد عليه نابليون بطلب 2000 عبد أعمارهم فوق 16 سنة، وأن يكونوا أشداء وأقوياء، يرسلهم إليه مع القافلة القادمة. ويعتبر عبد الرحمن مؤسس عاصمته الملكية الجديدة الفاشر، وذلك بين العامين 1791-1792
بعد عبد الرحمن جاء ابنه محمد الفاضل الذي خضع لتأثير بعض القبائل العربية التي كانت تعيش في البلاد وتتمتع بشبه استقلال ذاتي، كالبقارة والرزيقات.
عندما اندفع الجيش المصري العام 1821 داخل السودان في عهد محمد علي باشا حاكم مصر، تصدَّى له جيش سلطان دارفور عند بارا فهُزم وفقد منطقة كردفان المجاورة نتيجة ذلك. وكان المصريون يخطِّطون لغزو منطقة دارفور نفسها وسلطنتها، ولكن انشغالهم بتثبيت الأمن في منطقة حوض النيل منعهم من ذلك. والمصريون هم الذين أسسوا مدينة الخرطوم في ذلك الوقت والتي أصبحت عاصمة السودان في ما بعد(8).
توفي الفاضل العام 1838تاركاً أربعين ابناً، وقد عيّن ثالثهم محمد حسن ليكون خليفته، وكان هذا ورعاً تقياً في مظهره ولكنه كان جشعاً. والعام 1856 أصيب بالعمى، فتولّت أخته زمزم قيادة البلاد بحكم الأمر الواقع.
في مطلع العام 1856 باشر رجل أعمال من الخرطوم يدعى الزبير رحمه بنشر مراكز تجارية (Trading posts) على طول جنوب دارفور وعززها بحماية قوى مسلحة جيداً. وسريعاً ما أصبح هذا الرجل يملك دولة تحت سلطته، وقد عرفت هذه المنطقة باسم بحر الغزال وقد كانت مصدر تجارة دارفور مع الشمال الأفريقي ومصر بالعاج وبالعبيد عبر الطريق القديمة. ولكن الزبير حوّل هذه التجارة نحو الخرطوم والنيل، ومن ثم إلى مصر.
توفي السلطان حسن العام 1873، فدخل ابنه إبراهيم في صراع مع الزبير الذي أصبح حليفاً للمصريين، واتفق معهم على غزو دارفور. وقد نتج عن هذه الحرب تدمير مملكة دارفور، ومقتل إبراهيم في معركة خريف العام 1874 ولما حاول عمه حسب الله استعادة استقلال مملكته، قُبض عليه العام 1875 من قبل قوات الخديوي المصري إسماعيل باشا ونُقل إلى القاهرة مع عائلته، وهكذا أُخضعت دارفور للحكم المصري .
ولكن الدارفوريين لم يستكينوا للحكم المصري، وقاموا بعدة ثورات ضده كانت تقمع من قبل المصريين والإنكليز الذين بدأوا يسيطرون على مصر والسودان في ذلك الوقت(9). والمؤكد أن الشعب السوداني لم يسكت على احتلال بلاده.
مَثَّلَتْ ثورة المهدي (محمد أحمد)، أحد أهم تجليات المقاومة ضد الحكم البريطاني- المصري الإستعماري الذي حاربهم في العديد من المعارك وأعلن دولة المهدي التي كانت تضم القسم الأكبر من السودان الحالي ودارفور، والتي كان يعتمد على قبائلها في تأليف جيشه ودعم دولته. ولكن بعض قبائل الإقليم انقلب على خليفته في ما بعد، وساعد في إسقاط دولة المهدي العام 1898 بمساعدة المصريين والإنكليز. والعام 1899 عيّنت الحكومة السودانية (الأنكلو- مصرية) الجديدة السلطان علي دينار، الإبن الأكبر للسلطان محمد الفاضل، سلطاناً على دارفور، على أن يدفع 500 ليرة استرلينية ضريبة للحكومة. وفي عهد علي دينار عرفت دارفور حكماً ذاتياً قانونياً وفترة سلام استمرت حتى الحرب العالمية الأولى، حيث تم اجتياحها من قبل الإنكليز وإلحاقها بالسودان الكبير، الذي بقي تحت سلطة الحكم الإنكليزي - المصري حتى تحقيق استقلال السودان العام 1956
من الملاحظ أنه خلال فترة الحكم الاستعماري البريطاني للسودان، كانت طاقات البلاد ومواردها كافة، توجَّه نحو الخرطوم ومقاطعات النيل الأزرق تاركة بقية أنحاء البلاد في حالة من التخلف النسبي، وهذا ما جعل سكان مناطق نهر النيل يطلقون على أنفسهم لقب أولاد البلد، تفاخراً بأهميتهم في البلاد، وتحقيراً للآخرين الذي يطلقون عليهم اسم أولاد الغرب أي الأفارقة ويسمونهم زرْقَا Zurga أي السود. كما يمكن ملاحظة أن 56% من الاستثمارات كانت من حصة الخرطوم وكسالا وولايات الشمال، مقابل 17% لدارفور وكردفان معاً، وهكذا يمكن إدراك حجم التخلف والتفاوت في التنمية داخل أقاليم السودان لحظة نال استقلاله(10).

هـ - بعد الاستقلال
كان لأهالي دارفور دور بارز في تحقيق الاستقلال السوداني وإنجازه عبر دعمهم لحزب الأمة السوداني الذي اضطلع بدور مركزي في ذلك، وهو كان بقيادة الصادق المهدي حفيد المهدي المعروف بمقاومته للإنكليز والمصريين.
ومنذ ستينيات القرن العشرين بدأت أصوات الدارفوريين ترتفع مطالبة حزب الأمة في السلطة بتصحيح نظرته إلى دارفور ورفع الإهمال والتخلف عنها، وتدعوه لعدم التمييز بين أقاليم السودان المختلفة. ولما جاء النميري بانقلاب 1969 وتسلّم السلطة، تابع سياسة إهمال الإقليم، وعدم مساواته بغيره من مناطق السودان، كما ساهمت سياسته الخارجية في تعميق خط الصدع الإثني في بنية مجتمع دارفور. وبعد عودة المهدي من منفاه العام 1985 بعد إطاحة نظام النميري، عقد صفقة مع الرئيس الليبي، «لم يعتزم التزامها، وهي تسليم دارفور إلى ليبيا في حال منحه القذافي الدعم اللازم للنجاح في الانتخابات القادمة»(11).
العام 1989 انقلب الفريق عمر البشير على حكومة المهدي وأصبح رئيساً للجمهورية، ووريثاً لحزمة من المشاكل في أنحاء مختلفة من السودان: قضية الجنوب وحركتها الانفصالية بقيادة العقيد جون غارانغ، قضية دارفور المجاورة للجنوب، وقضية الشرق المتاخمة لأريتريا، وقد حاولت الحكومة السودانية حلّ هذه المشاكل المستعصية واحدة بعد الأخرى، ولكن ذلك يبدو حتى الآن صعباً، مع أنها توصلت إلى حلحلة الكثير منها، إلا أن الصراع الداخلي مع الأحزاب والقوى المعارضة، والتدخلات الخارجية التي لا يصب بعضها في مصلحة السودان كدولة موحدة، تحول دون إنهاء الأزمات التي تعصف بهذا البلد، وأهمها اليوم أزمة دارفور.

2-مكوّنات الأزمة
يعتبر البعض أن أحداث دارفور تعود إلى سبب رئيس هو إهمال الإقليم وسوء تنميته، بأبعاده الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، من قبل السلطة الحاكمة، على مرّ الحقبات التاريخية التي تلت إلحاق الإقليم بالسودان العام 1916 تحت الحكم الإنكليزي-المصري، ثم في ظل حكومات الإستقلال بعيد العام .1956 إلا انه لا يمكن حصر أسباب الأزمة ومكوناتها ببعد واحد فقط، بل علينا النظر إليها والاقتراب منها عبر محورين يشكلان إطاراً للإحاطة بالعوامل التي أسست لانفجارها، وهذان المحوران هما: محور جيوبوليتيكي، ومحور جيوستراتيجي، قد يسهمان في تفسير ما حدث وما يحدث في السودان بشكل عام وفي دارفور بشكل خاص.

العوامل الجيوبوليتيكية
يمكن اعتبار الخصائص المعقَّدة للبيئة الجغرافية لإقليم دارفور على أنها شكلت أول العوامل البنيوية في أزمته السياسية والاقتصادية والأمنية.

أ - طبيعة الأرض
يمكن تقسيم إقليم دارفور إلى ثلاث مناطق رئيسة بارزة هي: منطقة شمالية شبه صحراوية، منطقة السافانا في الوسط وجبال مرّا -Marra (التي ترتفع حوالى 3000 متراً)، ومنطقة السهول الطينية والسافانا الغنية في الجنوب. ويشكل جبل مرّا، على الرغم من موقعه في وسط الإقليم تقريباً، طبيعة مختلفة قائمة بذاتها، حيث نجد فيه مناخ البحر المتوسط، مع ما يستتبع ذلك من إنتاج زراعي متوسطي كالبرتقال والليمون والتفاح، إلى جانب الخضراوات المتوسطية المتنوّعة(12)، ويشكل بيئة صالحة للسكن والإقامة الدائمة، نظراً إلى توافر الماء والأنهار لري المزروعات وتربية الحيوانات المختلفة

ب - القبائل وأعراقها
هذه البيئة الجغرافية المعقدة والمتنوعة، والمناخ المتقلب وغير المتجانس في مناطق الإقليم المتعددة، أثرّت في تركيبة سكانه ووسائلهم في المعاش والحياة الاقتصادية. من هنا نجد قبائل تعتمد في حياتها اقتصاداً ينسجم مع البيئة التي تعيش فيها، فمنها التي تعتمد على الرعي وما يستتبع ذلك من الترحال طلباً للماء والكلأ، ومنها التي تعتمد الزراعة وحياة الإستقرار. لذلك يمكن تصنيف السكان وفق مجموعات رئيسة ثلاث، مع إمكان تداخلها في ما بينها في أحيان كثيرة:
ب 1 ـ المجموعة ذات النمط الحياتي المستقر مثل: قبائل الفور، والمساليت والداجو والتنجور والمعاليا وبني فضل، وهي في أغلبها إما غير عربية أو متحدرة من أصول عربية (بنو فضل والتنجور).
ب 2 ـ المجموعة ذات النمط الحياتي البدوي وشبه البدوي مثل: الزغاوة والميدوب والقريات والمسيرية. وهي من أصول عربية وغير عربية.
ب 3 ـ المجموعة ذات النمط الحياتي المعتمد على الرعي، وغالبيتها ذات أصول عربية، وهذه المجموعة تتفرع إلى فرعين :
ب 3 .1ـ رعاة الإبل (الإبالة) وتعتمد على رعي الإبل ومنها: الزيادية والعريقات والماهرية.
ب 3 .2ـ رعاة الأبقار (البقارة) وتعتمد على رعي الأبقار وبيعها واستثمارها ومنها: الرزيقات والمسيرية والهبانه والتعايشة وبنو هلبة.
وتعتبر قبيلة الرزيقات أقوى قبائل دارفور وأغناها، بينما تعتبر قبائل الفور أكثرها عدداً، ويأتي بعدهما الزغاوة والمساليت والزيادية والتعايشة والمسيرية(13).

ج - وسائل المعاش والمناخ والعلاقات الإجتماعية والإقتصادية داخل الإقليم
ذكرنا أن شعب دارفور يعتمد على وسيلتين لكسب المعاش هما الرعي والزراعة، وهاتان الوسيلتان تتأثران من دون شك بعاملين رئيسين أيضاً هما التربة والمناخ. ونظراً إلى اتساع الإقليم وتنوع طبيعته ومناخه، كان السكان منذ القدم وحتى اليوم يعتمدون على نمط من العلاقات التبادلية في حياتهم الاقتصادية والمعيشية مثل تبادل المزروعات بالحيوانات وبقية مستلزمات الحياة، حتى أن النقود بمعناها المادي الحسي، لا تكتسب أهمية بقدر احتساب الثروة على أساس ملكية أرض زراعية، أو ملكية الحيوانات المختلفة من الإبل والأبقار والأغنام وغيرها، وترتفع قيمة الإنسان وثروته كلما ازداد عدد الماشية التي يملكها، ومن خلال ذلك تتشكل مكانته الاجتماعية، سواء داخل القبيلة الواحدة أو بين مجموعة القبائل، حتى أن مهر الزواج يقدر ويدفع بكذا عدد من الأبقار أو الأغنام أو الإبل الخ...

كذلك، ونظراً إلى البيئة الصحراوية وشبه الصحراوية الشمالية، فقد عمدت قبائله التي تعتمد الرعي وسيلة للمعاش، إلى الترحال باتجاه الجنوب والمناطق الزراعية في مواسم الجفاف، واتفقت مع قبائل الوسط والجنوب الزراعية على نمط معين من خطوط للسير والانتقال عبر المناطق الزراعية للوصول إلى المراعي أو ينابيع المياه، ونظمت هذه العملية بشكل لا يؤذي المزروعات للقبائل الزراعية، ويسمح لقبائل الرعي بالانتقال وتأمين حياتها وحياة القطعان بالحصول على الماء والكلأ. وقد نشأ عن هذا النمط من المعاش علاقات اجتماعية واقتصادية كالتزاوج والمصاهرات بين القبائل المختلفة، وأسست لحياة اجتماعية مشتركة عمّقتها ثقافة دينية واحدة، ودين واحد تدين به جميع قبائل دارفور، وهو الإسلام، حتى أن إقليم دارفور يتميز بكثرة الخلاوي أو مراكز تدريس القرآن وتحفيظه. وقد شكَّلت دارفور عبر تاريخها خزاناً بشرياً «إسلامياً مؤمناً» دعم ثورة المهدي في القرن التاسع عشر، ثم دعم حزب الأمة بزعامة الصادق المهدي حفيد المهدي القديم في الانتخابات والحكومة، وكذلك صهره الدكتور حسن الترابي بعد انشقاقه عن حزب الأمة في ما بعد، ولعل هذا العامل الديني السياسي هو أحد المؤثرات البارزة في تكوين أزمة دارفور واستمرارها حتى الآن.
إذاً، يمكن اعتبار البيئة الجغرافية والمناخ في دارفور وانعكاسهما على حياة سكانه، أحد أهم مكونات أزمته السياسية، ذلك أن هناك علاقة جدلية (14) بين هطول الأمطار والنزاعات القبلية. ففي مجتمع يعتمد الرعي والزراعة ويتشكل من قبائل تتمايز في ما بينها بانتماءاتها العرقية والإثنية، تتحول أزمة مناخه إلى صراع بين قبائله، بين من يملك قطعان الماشية، ومن يملك الأراضي الزراعية والماء، وهذا ما حدث بالفعل. فنتيجة لموجات الجفاف والتصحر المتعاقبة التي ضربت أنحاء واسعة من أفريقيا بشكل عام والسودان بشكل خاص، ظهرت اختلالات عميقة أثرت على البيئة المحلية في دارفور، ما اضطر الرعاة إلى الترحال بعيداً عن مناطقهم والمناطق الأخرى التي كانوا يرتادونها سابقاً، إلى مناطق جديدة بحثاً عن الكلأ والماء.

وهذا اضطرّهم إلى دخول مناطق القبائل الزراعية، ما أدى إلى وقوع احتكاكات تطورت إلى اشتباكات وعداوات ومعارك طاحنة، أزهق فيها الكثير من الأرواح، ولا سيّما منها تلك المعارك التي نشبت في نهاية سبعينات القرن الماضي وبداية ثمانيناته (1979-1984)، كما نجم عن تردي الحالة الاقتصادية في الإقليم، ظهور فريق استسهل النهب تحت وطأة الحاجة وصعوبة المعاش، فعمد إلى قطع طرق الشاحنات التجارية ومركبات المسافرين العابرة أو القادمة إلى دارفور(15). وقد تطورت هذه الأعمال إلى ظاهرة السطو والنهب المسلح التي شكلت صداعاً مستمراً للحكومة المركزية وحكومات الولايات، لم يتم القضاء عليه. واعتباراً من هذه الفترة بدأ ظهور ما يعرف بالجنجويد، كظاهرة قائمة بذاتها، في قلب المكونات الاقتصادية والسياسية لأزمة دارفور.

د - الجنجويد ( Janjaweed)
شاع استعمال هذه الكلمة وتردادها في وسائل الإعلام المختلفة حتى طغى على قضية دارفور، وباتت إسم علم يشير إلى الأزمة وتداعياتها وكأنه عنوان لها، أو تعبير عن غموضها، غموض معنى الكلمة و مصادرها. فما هو معنى الكلمة وعلى ماذا تدل؟
الجنجويد، وتلفظ باللغة الدارفورية الدارجة الجنجويت، ليست إسماً لقبيلة، بل هي تطلق على من يستخدمون روح الشرّ، أي الجنّ، لتحقيق أهدافهم، وينتقلون على ظهور الجياد والجمال، ولذلك يعتبر البعض أنهم: «جنٌّ على ظهر جواد»، وهذه الصفة تنطبق على اللصوص وقطّاع الطرق والخارجين على القانون (16).
ويرى البعض أنه اصطلاح يطلق على الجماعات المسلحة التي تتجوَّل في أنحاء دارفور على ظهور الخيل والجمال وتنتمي إلى القبائل العربية، وأيضاً إلى القبائل الأفريقية، وهي جماعة تمارس النهب والقتل، وليس لها تنظيم معروف أو قائد يقودها أو قبيلة تحتضنها (17). ويعتبر أهالي دارفور، أن هذه التسمية أطلقت على الذين كانوا يقومون بالسلب والقتل والإعتداء على الآمنين، بمعنى «روح الشرّ الجوّالة» أي «جنٌّ جَوَّاد» أي «الشيطان يمتطي جواداً» أو جملاً، ويرتكب فعل الشر بحق الناس، ويحمل أحياناً «جيم ثري»

وهي بندقية ألمانية كانت رائجة في تلك المنطقة في ثمانينات القرن الماضي، ويقولون اليوم إنه يحمل كلاشنيكوفاً، وربما صيني الصنع.

من أين جاء الجنجويد ؟
يرى بعض الباحثين(18) أن الجنجويد هم بقايا «الفيلق الإسلامي» الذي أسسه الرئيس الليبي معمر القذافي في ثمانينات القرن العشرين كرأس حربة في الاستراتيجيا الليبية لنشر القومية العربية والإسلامية في أفريقيا، وكانت ليبيا تدعمه بالمال والسلاح، وكان يعتمد على بعض القبائل العربية في دارفور. وعندما تخلّت ليبيا عن فكرة القومية العربية لصالح فكرة الإتحاد الأفريقي، حلّت هذه الميليشيات، ولما عاد أفرادها إلى مناطقهم، خرج منهم بعض عصابات السلب والنهب التي عُرفت في ما بعد باسم الجنجويد.
وتصف شهرية Le Monde Diplomatique الجنجويد بأنهم «ميليشيات تنحدر من قبائل عربية، وليس لها ارتباط حركي سياسي أو وحدة تنظيمية، بل هم إما عصابات أو قوى مساعدة مرتبطة ببعض وحدات الجيش السوداني النظامي» (19).

هـ - موقف حكومة السودان من الجنجويد
ترفض الحكومة السودانية كل الاتهامات التي تربط بينها وبين الجنجويد، وتنفي أي علاقة لها بما ترتكبه هذه العصابات من أفعال وجرائم في دارفور وغيرها، بل تعتبرها عصابات للنهب والقتل، وخارجة على القانون، كما ترفض اعتبارها عربية فحسب، إنما تنتمي إلى مختلف قبائل دارفور من عرب وأفارقة، ولكن بعض الكتّاب في شأن دارفور، يرى(20) أن الحكومة السودانية، وبعد هجوم المتمردين على قاعدة عسكرية في مدينة الفاشرفي 25/ 4/2003 عاصمة ولاية دارفور الشمالية ومقتل أكثر من 75 جنديا وطياراً، وأسر قائد القاعدة (برتبة لواء)، أصيب الجيش السوداني بضربة معنوية كبيرة، لذلك اعتمدت الحكومة استراتيجيا جديدة تقوم على ثلاثة عناصر هي: الإستخبارات العسكريه، سلاح الجو، الجنجويد، وذلك للرد على حرب العصابات التي يشنها المتمردون، والتي لم يتعوّد عليها الجيش النظامي، ولم يتدرب للرد على حرب مماثلة .
لذلك وُضع الجنجويد في قلب استراتيجيا الحكومة لاحتواء أعمال التمرّد ومحاربتها، وزوّدت الأسلحة والموارد العسكرية المناسبة من أجهزة اتصال ومدفعية ورشاشات حديثة. وبالفعل فقد حقق الجنجويد بسرعة تفوّقاً على المتمردين باستعمال وسائل الرد القاسية على عملهم وهجوماتهم، من قتل وتدمير قرى، وتهجير السكان المؤيدين للمتمردين، حتى أنهم اشتبكوا مرات عديدة مع المتمردين داخل حدود جمهورية تشاد المجاورة، كما اشتبكوا أحياناً مع الجيش التشادي الذي يعتقد أنه يدعم المتمردين، على خلفية دعم فرنسي موجود في تشاد ومعارض لحكومة السودان وسياساتها المحلية والخارجية.

و - سياسة المكان
قد تُعَرَّف الجغرافيا السياسية أو الجيوبوليتيك بأنها دراسة العلاقات القائمة بين حقائق المكان والعمليات السياسية(21). إن التعقيد الذي يمثله إقليم دارفور في معطياته الجغرافية، من حيث المساحة ومجاورته لثلاث دول هي ليبيا وتشاد وأفريقيا الوسطى، وبُعده عن مركز السلطة في الخرطوم (1000كلم)، وقربه من مصر وجنوب السودان، وفي معطياته البشرية من حيث عدد السكان وانقسامهم الإتني بين عربي وأفريقي، وفي معطياته الاقتصادية المتمثلة بثروة حيوانية ضخمة من الأبقار والماشية، وسهول زراعية، تتأثر كلّها بالمناخ والمطر والتصحُّر، وثروة بترولية واعدة، يضاف إليها خام الحديد النقي بكميات كبيرة، مع ثروة كبيرة من مادة اليورانيوم، إلى ثروة بشرية فكرية دينية سياسية تعتبر خزاناً لأهم أحزاب السودان، «حزب الأمة»، و«حزب الإتحاد الديمقراطي». ويقابل كل ذلك إهمال يكاد يبلغ حد التهميش من قبل الحكومة المركزية عبر حقبات طويلة. كل ذلك أفرز شعوراً بالنقمة لدى أهل الإقليم، عززه لجوء بعض الحكومات والأهالي والأحزاب إلى التمييز بين أهل الإقليم(22)، والتعامل الفوقي معهم من خلال مقولة «أولاد البلد» أي عرب وادي النيل، و«أولاد الغرب» أي الأفارقة السود، وحرمانهم من مكتسبات السلطة، سواء كان ذلك في توزيع المناصب أو توزيع الثروة أو التنمية، مع أن الإقليم شكّل ولا يزال دعامة أساسية لأكبر أحزاب السودان، وأسهم في إيصالها إلى السلطة، بالقوة حيناً أو بالانتخابات حيناً آخر.[/hide-show]

[hide-show]و-1- الإدارة الأهلية
تعتبر آلية العمل السياسي ـ الاجتماعي التي عرفتها دارفور منذ القدم، والتي عُرفت لاحقاً بنظام الإدارة الأهلية، الراعي الأول للقيم الأخلاقية والاجتماعية، والإدارة التنظيمية الضابطة للاستقرار الاجتماعي، كونها ترعى الاتصالات لتنسيق هجرات القبائل التي تتأثر بعوامل المناخ والظروف الطبيعية، مع القبائل الأخرى التي يمكنها أن تقبل وفادتهم.
ولما ألغت حكومة الرئيس النميري هذا النظام العام 1971 واستبدلته بنظام الحكم الإقليمي (الذي شابته عيوب كثيرة عند التطبيق)، لم يستطع أن يحل محل النظام القديم، لا بل وسّع من الشرخ الاجتماعي بين قبائل دارفور. ذلك أن آلية انتخاب هذا النظام الإقليمي استنهضت المنافسة والنزاعات بين القبائل، وزاد من وتيرتها خصوصاً في ظلّ غياب النظام القديم، و لم تستطع مؤتمرات الصلح إيجاد آلية مستحدثة لاحتواء النزاعات، أو تحقيق أهدافها(23).

و-2- الأحزاب
إن حركة الاستقطاب السياسي خلال فترة حكومة الصادق المهدي(1986-1989) بعد إطاحة النميري، والتي خاضها الحزبان الكبيران في السودان، حزب الأمة الذي يعتمد في عضويته على طائفة أنصار المهدي والذي تعدّ منطقة غرب السودان عموماً قاعدته الأساسية، و حزب الإتحاد الديمقراطي الذي يمثل طائفة الختميّة(24) بزعامة محمد عثمان الميرغني. و قد نشط كل حزب لجذب قبائل دارفور إلى جانبه، فحزب الأمة استقطب القبائل العربية، وحزب الإتحاد الديمقراطي استقطب القبائل الأفريقية، وهكذا أسهم هذان الحزبان الكبيران في تأجيج النعرات بين قبائل دارفور، وزيادة حدة التوترات المتصاعدة في الإقليم.

و-3- الصراع على السلطة ومُهاجمة الفاشر(25)
يعتبر الهجوم على القاعدة العسكرية الجوية الحكومية في مدينة الفاشر عاصمة إقليم دارفور الشمالية من قبل المتمردين، الشرارة التي أشعلت الأزمة بين الطرفين وذلك في 25 نيسان 2003 ، و بذلك خرج الصراع عن إطاره السابق واتخذ طابعاً شبه منظم خارج إطار سيطرة الحكومة المركزية، وأصبح تمرداً عليها، واتخذ من جبال مرّا قاعدة لإدارة النشاطات المسلحة ضد السلطة، و قامت كل من حركة تحرير السودان SLM بزعامة عبد الواحد نور، وحركة العدل والمساواة بزعامة خليل إبراهيم، (الذي كان أحد معاوني الدكتور حسن الترابي زعيم حزب المؤتمر الشعبي الذي انشق عن الحزب الحاكم في السودان بقيادة الفريق عمر البشير). وقد اعتبرت الحكومة المركزية أن حزب الترابي يسهم في تأجيج أزمة دارفور. ولما حسم الرئيس عمر البشير الصراع على السلطة العام 1999 وأودع الترابي السجن، عمد أنصاره إلى تشكيل حركة ضد السلطة اتخذت من حركة العدل والمساواة ذراعاً عسكرية لها، وجعلت من دارفور قاعدة لخوض حربها ضد نظام السلطة الحاكمة. وهكذا نرى أن الإنشقاق الداخلي في النظام الحاكم، وانسلاخ الترابي وجماعته، في إطار الصراع على السلطة في المركز، أدّيا إلى تفاقم أزمة دارفور وانفجارها.
ويعتبر البعض أن بروز التمرّد في دارفور ما هو إلا الانعكاس المباشر للواقع السياسي العام في البلاد، وأن نشاطات هذا التمرد هي نوع من الرفض لهذا الواقع الذي لا يحقق الطموحات والمصالح، ويعتبر كذلك حركتي «تحرير السودان»، و«المساواة»، مرتبطتين بمخابرات أجنبية، ومن باب أولى المخابرات الإسرائيلية (26) .

3 - دارفور في قلب الصراع الدولي
رأينا مدى التعقيد الذي يختزنه إقليم دارفور في تشابك العوامل التي شكلت أزمتة الجيوبوليتيكية، و قد أدى تفاعل هذه العوامل إلى الوصول بالأزمة إلى حدّ الانفجار، ثم أسهمت العوامل الخارجية، و تداخلها في تفعيل العوامل الأخرى، في تفجير الأزمة، لأن هذه العوامل الخارجية هي الأكثر خطورة، لارتباطها بأطماع القوى الكبرى، وجيوستراتيجيتها في بسط سيطرتها ونفوذها في العالم، وخصوصًا الولايات المتحدة، ورؤيتها الاستراتيجية لإدارة مصالحها الجيوبولتيكية في الشرق الأوسط والعالم(27).

أ - رؤية الولايات المتحدة
لقد ظهر أن إقليم دارفور يتمتع بموقع جيوستراتيجي مميز، لأنه يقع على حدود أربع دول (مصر، ليبيا، تشاد، وأفريقيا الوسطى)، و يشكل منطقة عازلة بين النفوذ الفرنسي في تشاد وأفريقيا الوسطى، والنفوذ الأنكلوسكسوني، ونعرف أن القارة الأفريقية منقسمة عموماً بين هذين النفوذين منذ بداية فترة الاستعمار المنظّم في القرن التاسع عشر، وقد زادت حدة المنافسة بعد سيطرة الولايات المتحدة على النظام العالمي الجديد و سعيها إلى طرد فرنسا من الدول الفرنكوفونية التقليدية في أفريقيا منذ تسعينات القرن العشرين، وخصوصاً من تشاد، لأنها تشارك دارفور في حقولها النفطية الجوفية (منطقة الحدود).
يضطلع اكتشاف البترول في الإقليم، نهاية القرن المنصرم بدور محوري في الاهتمام الدولي بما يحدث في السودان. ولقد دلت الأبحاث الألمانية والأميركية منذ سبعينات القرن الماضي أن الإقليم يختزن بترولاً عالي الجودة، و بكميات كبيرة، ولذلك فقد تم وضع السودان على الخريطة الجيوستراتيجية للولايات المتحدة المعلنة العام 2001 ، والتي تقوم على الاستحواذ على بترول العالم ومنع الآخرين من الوصول إليه(28). وهي ترى أن بترول أفريقيا سيشكل بديلاً مؤقتاً عن بترول الشرق الأوسط، إذ يمكن الوصول إليه بسهولة في حال نشوء أزمات كبرى.
كذلك فإن الولايات المتحدة ترمي إلى إعاقة النفوذ الآسيوي المتزايد في السودان في مجال النفط الصيني والماليزي والهندي.
كما تهدف الولايات المتحدة إلى حصار مصر من الجنوب، حيث أصبح إقليم دارفور على حدود مصر بعد التعديلات التي أجريت على حدود الولايات الشمالية السودانية (درب الأربعين، وهي الطريق القديمة بين مصر و دارفور)، وكذلك الأمر بالنسبة إلى ليبيا المتاخمة مباشرة لدارفور، خصوصاً وأن هناك قبائل مشتركة يمكن استخدامها إذا لزم الأمر.
اضطلعت وسائل الإعلام الأميركية والكثير من الجمعيات الأهلية، بدور بارز في تظهير أزمة دارفور وتصويرها في العالم على أنها إبادة جماعية Genocide تقوم بها قبائل عربية ضد قبائل أفريقية سوداء، واستغل ذلك في الانتخابات الرئاسية الأميركية لكسب أصوات السود فيها. واستغل الحزبان الجمهوري والديمقراطي العام 2004 تطوّر الأزمة لتحقيق مكاسب انتخابية، كما طالبت كتلة «السود» في الكونغرس، الرئيس بوش، بالعمل للضغط في مجلس الأمن بهدف استصدار قرار لتشكيل قوة متعددة الجنسية، لوقف ما اعتبروه «فظاعات تُرتكب ضد المدنيين الأفارقة». وبالفعل فقد أصدر مجلس الأمن حوالى نصف دزينة من القرارات لمعالجة أزمة دارفور، وذلك ما بين منتصف العام 2004 وحتى منتصف العام 2006(29).

ب - الصين
تعتبر الصين لاعباً جيوستراتيجياً رئيساً في جغرافيا السودان السياسية، فالسودان هي شريكها الثاني في الأهمية على أرض القارة السمراء في العلاقات التجارية، وقد مثل التبادل التجاري بينهما 3 مليارات من الدولارات العام 2006 (30). وتشتري الصين 65% من بترول السودان، كما تعتبر المورّد الأول للأسلحة إلى النظام السوداني، وتؤمن له نوعاً من الغطاء السياسي و الدبلوماسي خصوصاً في مجلس الأمن الدولي.
وتستثمر الصين حقول النفط في جنوب دارفور، و تؤمن حمايتها بواسطة عناصر صينيين (حوالى 5 آلاف صيني بثياب مدنية)، كما أنها تساعد في بناء السدود والطرق والبنية التحتية في المنطقة. ولا يمكن الصين اليوم التخلّي عن مصالحها، ولا سيّما حاجتها إلى الطاقة والموارد التي يعتبر السودان أحد أهم مصادرها.

ج - فرنسا
تضطلع فرنسا بدور خفي في دعمها للرئيس التشادي إدريس دبي وتأمين الدعم اللوجستي للجيش التشادي في مطاردته للميليشيات الدارفورية والجنجويد على الحدود بين البلدين، وتحاول مقاومة النفوذ الأميركي ومراقبته في دول غرب أفريقيا والاستحواذ على موارد هذه الدول. كما تسعى للمحافظة على النظام التشادي والنظام القائم في أفريقيا الوسطى نظراً إلى وجودها التاريخي فيهما على المستويين الاقتصادي والثقافي، ثم لمعرفتها بتوافر البترول واليورانيوم في حقول مشتركة بين دارفور و تشاد وأفريقيا الوسطى.

د - مواقف الدول الأفريقية
د.1 - مصر

أيدت مصر الحكومة السودانية منذ اندلاع الأزمة، كما أخذت على عاتقها قيادة الخط العربي في دعمها سياسياً و دبلوماسياً في المحافل الدولية، وقدمت دعماً لوجستياً ومالياً لتخفيف حدة الكارثة المتصاعدة.
كذلك فقد أبدت استعدادها مؤخراً للمشاركة في قوات الأمم المتحدة بموجب القرار 1706 و تقديم 1000 جندي وضابط ضمن المكوّن العسكري لحزمة الدعم الثقيلة المقدمة من الأمم المتحدة لقوات حفظ السلام الأفريقية في دارفور، بل أكثر من ذلك في حال طُلب منها (31).

د.2 - ليبيا
يبدو أن ليبيا تتجنب السياسات المضادة لمصالح الغرب في المنطقة عموماً ودارفور بوجه خاص، وهي تحاول المساعدة في حل النزاع بين الأفرقاء، بدعوتهم للاجتماع عندها، كما أنها تملك شبكة علاقات مع جميع الأطراف والميليشيات المحلية تعود إلى فترة الثمانينات من القرن الماضي، خصوصاً الحركات العسكرية، حتى أن أصل الجنجويد كما سبقت الإشارة، يعود إلى الفيلق الإسلامي الذي أنشأته ليبيا وسلّحته من أفراد قبائل دارفور في ثمانينات القرن الماضي. و لكن مصالح ليبيا واستثماراتها في السودان ومع حكومته، تجعلها تعمل بوحي مصالحها وتحاول المساعدة في حلّ الأزمة(32).

د.3 - تشاد
إضطلعت تشاد بدور مؤثر في أحداث دارفور والسودان منذ البدايات، وذلك نظراً إلى علاقات المصالح بين حكومتي البلدين من ناحية، وبين التشاد والقبائل الحدودية من ناحية أخرى، حتى أن الرئيس التشادي ينتمي إلى قبيلة الزغاوة الدارفورية. و قد شكل هذا النسيج الاجتماعي الدارفوري التشادي، دوراً محورياً في أزمة دارفور وتأجيجها، وفي التأثير في علاقات البلدين. يضاف إليه تأثير فرنسا في القرار التشادي وفقاً لمصلحتها وعلاقتها بحكومة السودان، والصراع الدامي النازف في دارفور، واتهام كل طرف للآخر بمحاولة إسقاط نظام الحكم عنده. لكن تشاد تسعى اليوم إلى الإسهام في وضع حد للنزاع، لا سيّما انها تستقبل حوالى 200 ألف نازح من دارفور في أراضيها، ولكن صراع القبائل الحدودية والذي يختزن تاريخاً من الحروب بينها حول الماء والكلأ، وضعفاً في الانتماء الوطني لصالح القبيلة، سيجر إلى مشاكل واشتباكات دائمة، على الرغم من تفاهم الحكومات، أو سعيها لإيقافه، مع الإشارة إلى ضعف هذه الحكومات وعدم مقدرتها على تعزيز الانتماء إلى الوطن لدى هذه القبائل التي قسّمتها حدود جغرافية مصطنعة لا تعني أمام العصبية القبلية شيئاً. ويحاول بعض الدول العربية، وخصوصاً المملكة العربية السعودية، عقد مصالحة بين حكومتي تشاد والسودان، لحل المشاكل بينهما، وإعادة الأمور إلى طبيعتها، فهل تنجح ؟!..

خلاصة

صُوِّرت قضية دارفور في العالم على أنها صراع بين قبائل عربية و قبائل أفريقية، أو بين سلطة و نظام حكم مستبد يستخدم ميليشيات من القتلة (الجنجويد) للتطهير العرقي في الإقليم، والإبادة الجماعية بحق الأفارقة السود. إن هذه النظرة أو الصورة الإعلامية غير دقيقة وغير حقيقية، إنما تمّ توظيفها جيداً في صراع جيوستراتيجي دولي، تقوده الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي، وقد جرّ المجتمع الدولي والأمم المتحدة إليه .
وحقيقة الأمر أن اتفاق حكومة السودان الحالية (اتفاق نيفاشا) مع حركة التمرد «المزمنة» في جنوب السودان، حول تقاسم السلطة والثروة والحكم الذاتي، أعطى مناطق أخرى في السودان الفرصة لرفع صوتها، ومن ثم سلاحها، من أجل تحقيق مطالبها للمساواة بالمركز (الخرطوم ووادي النيل) في المجالات المختلفة، من سلطة وثروة وتنمية، وهنا التقت مطالب الأقاليم الطَّرَفِيَّة المهمشة اقتصادياً وسياسياً، مع المطامع الدولية، في منطقة ذات موارد غنية ظاهرة وكامنة، وخصوصاً منها البترول واليورانيوم، يضاف إليها الموقع المتميز للإقليم. كذلك ساعدت الحكومة المركزية بسياستها المرتبكة وتنافس أقطابها وصراعهم على السلطة، وتحالفاتهم الداخلية والخارجية، لتحقيق مكاسب قد لا تصبّ في مصلحة الشعب السوداني ككل ولا في مصلحة السودان كدولة موحدة، بل في إذكاء نار الأزمة وخروجها من دائرة التحكّم الداخلي السوداني وتحوّلها إلى شأن داخلي في السياسة الأميركية والأوروبية والآسيوية والأفريقية. إلا أن هذا لا يغيّر حقيقة أن هناك أكثر من مليوني إنسان نزحوا من بيوتهم و مدنهم وقراهم، وأن هناك أكثر من400 ألف قتيل كما يقول أحدث تقارير الأمم المتحدة (33).

هوامش ومراجع

(1)- محمد الأمين النحاس أزمة دارفور، بداياتها وتطوراتها ، المستقبل العربي، بيروت، العدد 213، شباط 2005 ، ص 73.
(2)- سوسن أبو ظهر: دارفور، أرض الصراع القديم ، جريدة النهار. 21/10/2004 ، ص 18.
(3)- سناء حمد العوض : الخريطة الديموغرافية لإقليم دارفور ، السياسة الدولية ، دورية ، دار الأهرام ، مصر، العدد 168، أبريل 2007 ، ص 202 .
(4)- جرى مؤخراً تعديل حدود الولاية الشمالية بحيث أصبحت دارفور الشمالية متاخمة لحدود مصر الجنوبية. (شؤون عربية - خريف 2006 ، عدد 127 ، ص 102)
(5)- سناء حمد العوض: مرجع سابق ، ص 204
(6)- المرجع السابق ، ص 202
(7)
Prunier, Gerard: The Ambiguous Genocide, Cornell university press,2005 www.wikipedia.org/wiki/history،of،darfur
(8)- المرجع السابق، ص202
(9)- المرجع السابق
(10)- History of Darfur المرجع السابق.
(11)- Prunier المرجع السابق.
(12)- سناء حمد العوض ؛ الخريطة الديموغرافية لدارفور ، مرجع سابق، ص 203 .
(13)- سناء حمد العوض ، مرجع سابق ، ص 204 .
(14)- احمد آدم بوش: جدلية العلاقات بين العوامل البيئية والنزاعات في دارفور: ملف السلام (2) ، مركز دراسات الشرق الأوسط وافريقيا تشرين ثاني/كانون أول 2003 ، ص 21.
(15)- محمد الأمين عباس النحاس: أزمة دارفور ، مرجع سابق ، ص 75.
(16)- سوسن أبو ظهر: دارفور، أرض الصراع القديم ، جريدة النهار ،21/10/2004 ، ص 18.
(17)- محمد الأمين عباس النحاس: أزمة دارفور ، المستقبل العربي، العدد 213 ، شباط 2005 ، ص 71.
(18) - إ.د. إجلال رأفت: أزمة دارفور ، شؤون عربية ، الجامعة العربية ، عدد 721 ، العام 2006 (ص 106 )
(19)-
Darfur، La Chronique d'Un Genocide Ambigu . Le Monde Diplomatique par : Gerard prunier, Mars 2007, page 16
(20)
- Julie Flint and Alex de Waal : Darfur : A short History of a long war, Zed books, London, March 2006 60، p: 101،301
(21)- الجغرافيا السياسية وعالمنا المعاصر ج1، عالم المعرفة ، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت - عدد 282 - حزيران 2002 .
(22)- يتزوج الدارفوري العربي الذكر من دارفورية غير عربية ولكن لا يسمح بالعكس (مقابلة مع سوداني).
(23)- محمد الأمين عباس النحاس: مرجع سابق ، ص 79 ،80.
(24)- طريقة صوفية متفرعة من الشاذلية منتشرة في السودان (نسبة إلى أبي الحسن الشاذلي، صوفي مغربي عاش في القرن الثالث عشر، في تونس ).
(25)- Crisis ، Darfur : مرجع سابق
(26)- محمد النحاس ، مرجع سابق ، ص 18. كما يرى الباحث في الشؤون الافريقية سامي صبري عبد القوي: إن إسرائيل تلعب دوراً كبيراً في تقديم الدعم اللوجستي للمتمردين يتمثل بتدريبهم وتقديم السلاح لهم، كذلك في مدّ الجسور بين زعماء المتمردين وإسرائيل واللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة. ( أنظر.. السياسة الدولية ، العدد 167 ، يناير 2007 ص 200 وما بعدها.. )
(27)- زبغينيو بريجنيسكي ، رقعة الشطرنج الكبرى ، ترجمة أمل الشرقي ، المطبعة الأهلية ، عمّان، الطبعة الأولى 1999 ، ص 12.
(28)- د.إجلال رأفت ، أزمة دارفور ، مرجع سابق ، ص 102 ، كذلك، هانيء، رسلان، السياسة الأميركية تجاه مستقبل السودان/ السياسة الدولية، مرجع سابق، العدد 156 ، أبريل 2004 .
(29)- القرارات 1556، 1564 ، 1593 ، 1679 ،1706 ( أزمة دارفور ، CD هدية السياسة الدولية / يناير 2006).
(30) - Le monde Diplomatique ، Darfur ، مرجع سابق ، ص 17.
(31) - قضية دارفور ، جريدة الحياة ، بيروت ، الأحد 29 نيسان 2007 ، ص 5.
(32) - د. إجلال رأفت ، أزمة دارفور ، مرجع سابق ، ص 106 .
(33)-
A 21 septumber 2006 article by the official UN news servce stated that UN officials estimate over 400.000 people have lost their lives and some 2 millions more have been driven from their homes.

*****************************************

Darfour … un conflit soudanais entre la ligne de faille ethnique et la ligne de faille géostratégique

Le chercheur considère que la crise de Darfour n’est autre que le résultat d’un conflit international sur les intérêts, masqué par la question des affaires humanitaires. Il indique que les raisons de ce conflit sont multiples et s’interfèrent, notamment la richesse de la zone en sources naturelles (pétrole, fer, uranium) en addition à des causes ethniques alimentées par un chauvinisme exacerbé entre les arabes et les africains, outre que le rôle du gouvernement soudanais qui tente de combattre ses ennemis afin de contrôler la province. La province de Darfour, faisant partie géographiquement parlant du Soudan, a une superficie de plus de 500 000 km2 , sa population atteint près de 7 000000 d’habitants, repartis sur près de 1 000 tribus arabes et africaines, notamment la tribu el-Four qui a attribué son nom à la province.
Le facteur le plus efficient et fameux à Darfour est représenté par les Janjawid, un nom accordé à tous ceux qui usent de l’esprit du mal, les démons, pour réaliser leurs buts. Ce nom dérive de l’expression «démon sur le dos d’un cheval»; ils sont des clans de brigands et de bandits dirigés par plusieurs forces, notamment le gouvernement soudanais. En principe, il s’agit de ce qui reste de la « légion islamique», déjà fondée par le leader libyen Moammar el-Kazzafi, sous le slogan de préserver le nationalisme arabe. Aprés qu’il ait changé d’avis et choisi l’africanisme au lieu de l’arabisme, el-Kazzafi a négligé cette légion en arrêtant son financement. Ces bandits sont retournés dans leur région et se sont lancés à voler, puis ils ont trouvé ceux qui les assujettissent en compensation de l’argent pour massacrer et tuer. Les pertes prévues des crimes des Janjawid ont atteint jusqu’à présent plus de 400 000 morts et plus de 2 000000 déplacés.

*****************************************

Darfour… a Sudani conflict between the ethnic fissure and the line of Geo-strategic fissure

The researcher considers that the Darfour crisis is a result of an international conflict over interests masked by the humanitarian causes and showed many interlaced causes in this conflict and most prominently the abundance of natural resources in the district (petrol, iron, uranium) in addition to ethnic reasons nourished with the severe fanaticism between the Arabs and the Africans in addition to the role of the Sudani government in its attempt to annihilate its enemies and to control the district. The district of Darfour is a natural part of Sudan spreading over 500 thousand km2 and its population amount to 7 millions distributed over around 1 thousand Arabic and African tribes and the most important of these tribes is the “Four” which the district is named after. The most renown factor in Darfour is the “Janjawid”. The appellation is designated to those who use the evil spirits or the demons to achieve their goals in Sudan. The word is derived from the expression “demon riding a horse” and those are troops of brigands and bandits controlled by many forces and the prominent of these forces is the Sudani government and they are essentially the residues of the “Islamic Legion” which was founded by the Libyan leader Moammar El Kazzafi under the slogan of protecting the Arabic Nationalism. Moammar El Kazzafi changed his mind afterwards and chose “Africanism” over “Arabism” and neglected the legion and suspended its finance. As a result of this procedure the “Janjawids” returned to their regions and started stealing and plundering then found a party who’s ready to exploit their capacities in exchange for money to carry out their murderous. The visible damages of the “Janjawids” murders amounted to more than 400 thousand casualties and more than 2 million emigrants.
[/hide-show]

د. أحمد علو - عميد متقاعد، دكتور في العلاقات الدولية. أستاذ التاريخ العسكري في كلية فؤاد شهاب للقيادة والأركان - مجلة الدفاع الوطني اللبناني 1/5/2007
آخر تعديل بواسطة Archivarius في 21 أكتوبر 2010 13:10، عدل 3 مرات.
Archivarius
Full Member
Full Member
 
مشاركات: 4913
اشترك في: 06 ديسمبر 2008 23:54
مكان الإقامة: Lebanon
الجنس: Male
الإحصائيات والأدوات:
Get more followers

هل استعدت النخب العربية لاحتمال زلزال انفصال جنوب السودان

مشاركةبواسطة Chavez » 28 سبتمبر 2010 10:00

هل استعدت النخب العربية المشرقية لاحتمال زلزال انفصال جنوب السودان؟

وُلدت دولتان كاملتا الشخصية في القانون الدولي في السنوات الأخيرة، إحداهما بقرار من مجلس الأمن هي تيمور الشرقية والثانية باعتراف دولي واسع هي كوسوفو.
كانت "الحرب الباردة" بعد الحرب العالمية الثانية قد جمدت "اللعب" بالخرائط الدولية، وكان آخر قرار خرائطي في منظمة الأمم المتحدة هو قرار تقسيم فلسطين عام 1947 الذي قضى بإنشاء دولتين لكل من اليهود والعرب على أرض فلسطين التابعة للانتداب البريطاني.
بعد ذلك دخل النظام الدولي بقطبيه الأميركي والسوفياتي في توازن طويل جعل منع المساس بالحدود الدولية قاعدة ثابتة رئيسية في العلاقات الدولية إن بالمعنى الانفصالي، أي منع تقسيم الدولة الواحدة أو بالمعنى التوسعي أي منع امتداد حدود دولة إلى مناطق تابعة لدولة أخرى.
بين 1948 و1990، مدة "الحرب الباردة"، حصل بعض الاستثناءات، أهمها استقلال بنغلادش عن باكستان عام 1971 بعد الحرب الهندية - الباكستانية، مع العلم أن الحدود الدولية بين الهند وباكستان لم تتأثر جراء ذلك، بل تحول الإقليم الشرقي من دولة باكستان والذي يبعد عن الإقليم الجنوبي حوالي ألفين وخمسماية كيلومتر (!) إلى دولة مستقلة.
انتهت هذه الحقبة مع توحيد ألمانيا بعد 1990، ثم مع انهيار الاتحاد السوفياتي، ليس فقط عبر استعادة دول أوروبا الشرقية استقلالها، بل مع تفتيت الاتحاد نفسه عبر استقلال روسيا البيضاء وأوكرانيا ومولدافيا ودول آسيا الوسطى الخمس وأذربيجان وأرمينيا وجورجيا في القوقاز... (ولاحقاً وحدة اليمنين الشمالي والجنوبي).
إذن في مرحلة ما بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، المرحلة المستمرة، لم تشهد أي منطقة في العالم العربي انفصالاً في إحدى دوله. على العكس كانت اليمن السباقة إلى توحيد الشطرين، ولو بعد حرب دامية ولكن سريعة.

[hide-show]هذه المرة، مع الاستفتاء المنتظر في 9 كانون الثاني المقبل حول مصير جنوب السودان، ستكون النخب العربية أمام موسم من تجدد الهواجس الانفصالية، بل أمام "زلزال" لطالما "انتظرته" هذه النخب كجزء لا يتجزأ من ثقافتها السياسية المعاصرة التي تحتل فيها فكرة "المؤامرة لتفتيت العالم العربي" حيزاً ثابتاً منذ الكشف عن اتفاقية سايكس بيكو.
فخطر تصويت الجنوبيين السودانيين بأكثرية لصالح الانفصال عن السودان خطر حقيقي بل هو يمثل حتى الآن الاحتمال المرجح، والظاهر أن الطبقة السياسية في السودان، لا سيما السلطة الحاكمة، بدأت تهيئ نفسها لاحتمال من هذا النوع إن لم تكن قد "هضمته" رغم تباين اتجاهاتها بل رغم صراعاتها المريرة.
ومع أن السودان لا ينتمي إلى منظومة سايكس - بيكو التي تتعلق بالمشرق وخصوصاً مناطق داخل "الولايات العربية" في الإمبراطورية العثمانية إلا أن مصيره، أولاً بالعلاقة مع مصر إذ كان تابعاً ولو اسمياً لخديوي مصر، وثانياً من حيث وحدته الداخلية، كان دائماً جزءاً لا يتجزأ من مشاغل وتطلعات الوعي القومي العربي في جيله الثاني بعد الحرب العالمية الثانية، مع العلم أن "الثورة المصرية" بعد 1952 وبقيادة الرئيس جمال عبد الناصر هي التي اعترفت باستقلال السودان عن مصر، كجزء من عملية إنهاء الاحتلال البريطاني؟!
بعيداً عن الفجائعية، التي تميز بعض أهم خطوط ردود الفعل العربية المعاصرة على المخاطر الانفصالية داخل كل كيان عربي، لا تبدو النخب العربية مستعدة كغاية في الوضع الراهن لتلقي، بل للتعامل، مع احتمال تقسيم السودان وولادة دولة في جنوبه تعادل مساحتها مساحة فرنسا وتبني دعوى انفصالها أساسا على الاختلاف الإثني والديني لأكثريتها المسيحية والوثنية عن الشمال المسلم (بما فيه دارفور المسلمة).
ستكون السودان قطعاً أول دولة عربية مستقلة في القانون الدولي تتعرض للتقسيم.
وإذا كان السؤال حول مدى استعداد النخب العربية لتلقي هذا الوضع الجديد ذا طابع ثقافي سياسي، فإن السؤال السياسي الصرف هو المتعلق بمواقف الحكومات العربية حيال احتمال هذا التطور البالغ الخطورة.
فالنقطة الجوهرية التي نريد الوصول إليها هي أن تقسيم السودان سيجعل مصير بلد مثل العراق مطروحا على بساط البحث بشكل عملي ودستوري في ظل الوضع "الانفصالي" الديناميكي الذي بلغته الحالة الكردية بعد العام 2003 والتي "تأسست" عملياً كحالة انفصالية بعد العام 1991 ونتائج حرب الكويت.
لا شك أن انفصال جنوب السودان – وضمن القانون الدولي أي ضمن الشرعية الدولية – سيعزز بل سيوجد دينامية انفصالية في العديد من دول المنطقة حيث التأزم الكياني دينامي أصلا.
العراق في المقدمة، بل العراق هو الحالة "الجاهزة" لتلقف حيوية من هذا النوع، أيا تكن التطمينات التي سنسمعها – لياقة – من الأطراف الكردية. لكن كيف استعدت النخب العربية – الشيعية والسنية – في بغداد وبقية العراق لهذا الاحتمال السوداني المرجح؟ ثم ماذا ستفعل حكومات الجوار العراقي ولاسيما تركيا وسوريا وإيران المعنية مباشرة وداخليا بالمسألة الكردية؟ ناهيك عن المملكة العربية السعودية إذا قررت قيادة المملكة أن تعطي الأولوية مرة أخرى في استراتيجيتها للمسألة الكردية في العراق وليس للمسألة الشيعية – السنية... والمسألتان من حيث مصير خارطة العراق متداخلتان، وان تكونا مختلفتين على أصعدة أخرى؟
والسؤال الذي يتعلق بتركيا وإيران، هل ستواجه الدولتان الإقليميتان الكبيرتان الخطر الانفصالي الكردي في مرحلة ما بعد تقسيم السودان كما فعلتا حتى الآن أي بالتكاتف الفعلي مع دول الجوار العراقي العربية بما فيها مصر إضافة طبعا إلى سوريا والسعودية والكويت لمنع أي انفصال لإقليم كردستان عن الدولة العراقية أم أن تركيا وإيران ربما عزز لديهما الانفصال الجنوب – سوداني معادلة لا تزال "تحت الطاولة" وهي إبعاد خطر الانفصال الكردي عن أراضيهما – أي عن أراضي تركيا وإيران – مقابل القبول بمعادلة "كردستان صغرى" في العراق تحل العقدة التاريخية لوطن قومي كردي على غرار "أرمينيا الصغرى" القائمة منذ 1990 أو "فلسطين الصغرى" التي تجري محاولة ترتيبها دولياً على 20 بالماية من ارض فلسطين التاريخية (أو الانتدابية!)؟
... والدولة الثانية التي ستكون – ولو بإلحاح اقل ومخاطر أقل – تحت بساط الضوء بعد العراق، في مرحلة التقسيم السوداني... هي لبنان على الرغم من الاختلاف النوعي بين الخطر الانفصالي الكردي في العراق والآتي من مسألة قومية، استندت إليها الفدرالية الدستورية القائمة في العراق بعد 2003 وبين الخطر "الانفصالي" الآتي من مسألة طائفية دينية في لبنان، وهي مسألة لم تحظ تقليدياً بأي مشروعية ثقافية أو سياسية جدية بعكس الحالة الكردية في العراق التي اكتسبت كطرح فدرالي (لا انفصالي) مشروعيتها حتى في عهد البعث الصدامي الذي كان – ولو نظرياً - أقر نظام الحكم الذاتي لمناطق الأكراد العراقيين؟
النقطة الثانية التي نصل إليها هنا في مجال هذا الرصد – التوقعات، هي النتائج السلبية جدا التي سيؤدي إليها انفصال جنوب السودان – ولو ضمن الشرعية الدولية – على "سمعة" الثقافة الفدرالية في العالم العربي. إذ ستترسخ مع المخاطر العراقية قناعة أن "الفكرة الفدرالية" حيثما طبقت عربياً ستكون مقدمة لانفصال محقق، وبهذا الانفصال السوداني تتلقى "الفكرة الفدرالية" – وهي أصلاً لم تترسخ بعد في الثقافة السياسية العربية – ضربة جديدة تجعلها تظهر على عكس سمعتها وتاريخها وحاضرها الأوروبي والغربي والتي هي سمعة وتاريخ وحاضر توحيدي وديموقراطي. بينما في العالم العربي ستظهر كفكرة انفصالية على الصعيد العملي. إذ كان بالإمكان لنجاح تطبيق فدرالي في السودان، كما في العراق أن يعيد تهيئة الثقافة السياسية العربية المعاصرة لقبول بل اعتماد الفكرة الفدرالية كقوة استيعاب واحترام توحيد لمجتمعات متنوعة إثنياً. بطبيعة الحال، هذا لا يعني أي تسليم بالأساس الطائفي والمذهبي للفكرة الفدرالية، فحتى في العراق لم يحصل هذا الأساس على مشروعيته حتى بعد عام 2003 ولا بد من التذكير بما قاله لي في النجف في أوائل الصيف المرجع الشيعي الأعلى السيد علي السيستاني في لهجة فخورة بأن المرجعية "هي التي منعت امتداد الفدرالية إلى المناطق الشيعية"... رغم وجود تيار شيعي لا زال يدعو إلى هذا النوع من الفدرالية المذهبية.
نحن أمام احتمال زلزال كبير في الواقع السياسي لدولة هي جزء من المنظومة العربية... لا يمكن كسابقة إلا أن "يطرح نفسه" كزلزال سياسي عربي ومشرقي لأن الانفصال السوداني يأتي ضمن آليات النظام العالمي الجديد. ويبدو – وهو كذلك – جزءاً من قرار هذا "النظام"؟

ماذا سيكون الموقفان التركي والإيراني إذا عُرضت عليهما معادلة "كردستان صغرى" مستقلة عن العراق تحل عقدة الوطن القومي للأكراد وتحفظ أراضي إيران وتركيا؟

ماذا ستفعل دول الجوار العراقي بما فيها المملكة العربية السعودية؟ إذا قررت المملكة أن تعطي الأولوية في استراتيجيتها العراقية للمسألة الكردية الانفصالية وليس للمسألة الشيعية – السنية؟

أول تقسيم قانوني لدولة عربية سيطلق دينامية انفصالية وسيطرح – رغم فقدان المشروعية حتى الآن – دينامية فدرالية على أساس مذهبي... في لبنان؟[/hide-show]

بقلم جهاد الزين alkadaya@hotmail.com النهار
آخر تعديل بواسطة Archivarius في 21 أكتوبر 2010 13:12، عدل 1 مرة.
Chavez
Advanced Member
Advanced Member
 
مشاركات: 771
اشترك في: 07 ديسمبر 2008 00:58
مكان الإقامة: Lebanon
الجنس: Male
الإحصائيات والأدوات:
Get more followers

Re: هل استعدت النخب العربية لاحتمال زلزال انفصال جنوب السودان

مشاركةبواسطة DoOdY » 02 أكتوبر 2010 22:36

مناقشة لجهاد الزين

الأكراد و"زلزال" جنوب السودان: قراءة غير كارثية

تتوجه الأنظار منذ الآن نحو ما سيتمخض عن الاستفتاء العام المزمع إجراؤه في إقليم جنوب السودان مطلع السنة المقبلة ليقرر شعبه مصيره بإرادته الحرة في الاستقلال وإعلان دولته الخاصة أو البقاء كما كان سابقا في إطار الدولة السودانية. وليس سرا أن الخيار الأول هو المرجح حسب كل التقديرات وذلك اعتمادا على المواقف المعلنة للنخب السياسية والثقافية الجنوبية، ورغبة الأوساط الشعبية عموما في الخلاص من اضطهاد الأنظمة السودانية المتعاقبة الاستبدادية والثيوقراطية ذات اللون الواحد الحاكمة في الخرطوم بنزعاتها الأصولية الإسلاموية والقومية معا وانعدام حظوظ “الوحدة الجاذبة” حسب تعبير الجنوبيين مضافا إلى ذلك البيئة الدولية الحاضنة لإرادة استقلال الجنوب وترسيم الحدود ومعالجة قضايا دارفور ومنطقة أبيي وجنوب كردفان والنيل الأزرق، والتمهيد بخطوات متلاحقة منذ حين في توفير المستلزمات الاقتصادية والديبلوماسية والتنموية والأمنية. وكان آخر تجلياته اللقاء الأربعيني حول جنوب السودان على هامش الاجتماع الدوري للجمعية العمومية للأمم المتحدة في نيويورك بحضور مميز ومعبر للرئيس أوباما.

[hide-show]العلاقة الوثيقة بين عملية التغيير الديموقراطي وانجاز حق تقرير المصير وإعادة بناء الدولة العصرية في مشهد السودان تكاد تكون عضوية غير قابلة للانفصام وهي تدفع مجتمعة نحو محاولة حل الأزمة العامة في العلاقات القومية في مجتمع متعدد القوم والعرق والمعتقد وفي الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والبنيوية والثقافية والإدارية لكل السودانيين في الشمال والجنوب والأطراف بمختلف مكوناتهم القومية والأثينية والدينية، وإذا تعذر ذلك فأمام الجنوب والأقاليم الأخرى فرصة بناء كياناتها - الديموقراطية الجديدة - الواعدة التي ستشكل تراكمات معاناتها الطويلة من الظلم والحرمان والقمع خميرة لولادة الجديد الأفضل بكثير مما هو سائد الآن في أسوأ الأحوال. وإذا كانت القوى الوطنية السودانية المعارضة بشكل أساس قد حسمت موقفها من خلال إعلان جوبا للحوار قبل أشهر بشأن تنفيذ اتفاقية السلام واحترام إرادة شعوب الجنوب ودارفور والمناطق الأخرى في تقرير مصيرها عبر الاستفتاء الحر، وكذلك الأمر حول التحول الديموقراطي والمصالحة الوطنية فإن النخب السياسية والثقافية في الجنوب متمثلة بقيادة الحركة الشعبية التزمت وما زالت تسعى من أجل "سودان جديد لأن القديم قائم على التناحر والحروب وأن مستقبل السودان في اتجاه الوحدة كامن في أن يتحول إلى دولة تتسع لكل أهلها على أساس الحرية والمساواة وإذا لم يتحقق ذلك فسينهار السودان بسبب العوامل الداخلية وغياب أسس الوحدة".
نعم تطورات السودان الآتية عموما والجنوب على وجه الخصوص تشكل - زلزالا - حسب تعبير الكاتب جهاد الزين ليس بالمعنى الكارثي ولكن على المفاهيم والتوجهات القديمة السلبية حول حق الشعوب في تقرير المصير. وهي إلى جانب تطورات كوسوفو وموقف محكمة العدل الدولية المتفهم في لاهاي لخطوتها الاستقلالية تشكلان سابقة تاريخية غير معهودة في بداية القرن في احترام مبدأ تقرير المصير وتطبيقاته على الأرض مجسدة إرادة المجتمع الدولي ومضامين ميثاق الأمم المتحدة الحريصة على تطبيق الحق والعدل والمساواة وعدم تعارض إرادة تقسيم الدول الأعضاء في هيئة الأمم المتحدة مع مبادئ الشرعية الدولية وجواز الانفصال بضمانات دولية - الذي هو أبغض الحلال - إذا لم تتوافر أسباب وشروط العيش المشترك بين الشعوب والقوميات والأجناس في سلام ووئام ومساواة وشراكة عادلة.
هناك مشتركات عامة بين قضايا الشعوب المناضلة وحركاتها التحررية القومية وخاصة ما يتعلق بمبدأ حق تقرير المصير وشرعية وعدالة الكفاح ضد الاحتلال والاضطهاد، وفي سبيل الخلاص والتغيير بمختلف الأشكال كما تتوافر أوجه التشابه بين تجارب التحرر الوطني في مختلف القارات والمناطق. وفي تناول سريع لمدى تأثيرات المشهد السوداني عموما والسابقة الجنوبية بوجه الخصوص على الحالة الكردية كمكون قومي رابع في المنطقة لم ينجز بعد حقه بتقرير المصير إلى جانب شركائه الآخرين المتمتعين بدولهم القومية، من عرب وترك وفرس، نقول إن الأهداف العامة للمشروع الكردي تكاد تنحصر في السعي لتحقيق السلام والتغيير الديموقراطي والتعايش السلمي والشراكة العادلة في السلطة والثروة وإعادة بناء الدولة الحديثة على قاعدة التعددية القومية والثقافية والسياسية واعتماد أحد أشكال تقرير المصير التي تتوزع بين (الإدارة الذاتية واللا مركزية والمناطق القومية والحكم الذاتي والفيديرالية والكونفيديرالية والاستقلال) وذلك بالاستناد إلى نتائج الاستفتاءات الحرة النزيهة في تحديد الخيارات، والتي يمكن أن تجري بإشراف دولي وبتوافر عوامل الالتقاء والتوافق بين الفرقاء المعنيين. ومن هذا المنظور فإن تجربة الجنوب السوداني ستلقي بظلالها على جميع قضايا الشعوب والقوميات وحركاتها السياسية المناضلة من أجل رفع الاضطهاد وانتزاع الحقوق وفي المقدمة القضية الكردية وخاصة في مجال إمكان حل المسألة القومية الكردية عبر المسار السلمي وفي إطار الشرعية الدولية وضمانات المجتمع الدولي ومن خلال المسعى العام المشترك مع الشعوب الأخرى لتحقيق التغيير الديموقراطي والإصلاح الدستوري والتنمية وبناء الدولة الحديثة.
انعكس التقسيم الاستعماري لميراث الإمبراطورية العثمانية وترتيبات سايكس - بيكو سلبا على الكرد وحركتهم القومية التي بدأت تندمج موضوعيا مع الاحتفاظ بخصوصيتها في المشهد السياسي العام في الدول الوطنية الأربع (تركيا - إيران - العراق - سوريا) التي يتوزع فيها الكرد مما استدعى عمليا ظهور برامج خاصة بكل جزء متضمنة رؤى وصيغا وخططا في الإطار العام لحق تقرير المصير مقتصرة على الحدود الوطنية القطرية لتلك الدول وذلك حسب مفهوم واقعي يأخذ في الاعتبار الحدود المرسومة المقسمة والموزعة للشعب الكردي بين مجتمعات عدة متفاوتة في درجات التطور الاجتماعي والتقدم الاقتصادي والنظم السياسية والوعي الثقافي.
"زلزال" جنوب السودان الذي سيعيد الحرية لشعبه ويبدأ بتعريفه وبنائه من جديد يعد انتصارا لكل قوى التغيير في المنطقة من شعوب وحركات تبحث عن الحرية وتواجه الأصولية في وجهيها الديني والقومي ونوازعها الإرهابية ومظاهرها الشعاراتية الممانعة التي كانت السبب في أزمة الجنوب، يجب أن لا يخيف كل من يعمل من أجل مصالح الشعوب من قوى وتيارات. وعلى الأنظمة الاستبدادية الحاكمة في البلدان المقسمة للشعب الكردي أن لا تندفع لاتخاذ خطوات ثنائية أو ثلاثية أو أكثر تحت ضغط ردود الفعل تحت ذريعة الوقاية من تأثيرات الحدث الجنوب السوداني باللجوء مرة أخرى، وكما عودتنا إلى الوسائل العسكرية والاتفاقيات الأمنية ضد الكرد وحركاتهم القومية التي تمارَس ويُعاد إنتاجها منذ أكثر من سبعين عاما بكل تكاليفها البشرية والمادية وتبعاتها من دون أي تقدم نحو تحقيق الهدف المرسوم وهو القضاء على الشعب الكردي وتطويع إرادته وتذويبه في بوتقات القوميات السائدة، والسبيل الأفضل إتباعه هو الحوار والتفاهم في ظل التغيير الديموقراطي والتوافق بين المكونات وإيجاد الصيغ الدستورية الضامنة لحق الكرد في تقرير المصير حسب إرادتهم الحرة وعبر عمليات الاستفتاء النزيهة.
منذ نحو عقدين تنبه الرئيس التركي الراحل تورغوت أوزال إلى خطورة ما يجري تجاه الكرد فأعلن مشروعه في فيديرالية تركية - كردية - عراقية وغالب الظن لو بقي على قيد الحياة لوسع مشروعه الفيديرالي ليشمل دول الجوار بمكوناتها القومية الرئيسة الأربعة (العرب والترك والفرس والكرد) في منطقة "قوس الأزمات" حسب توصيف المستشار الأسبق للأمن القومي الأميركي بريجينسكي والتي من الممكن تحويلها "قوس الخير والبركات".[/hide-show]

بقلم صلاح بدر الدين – أربيل – النهار

• راجع مقال جهاد الزين: "هل استعدت النخب العربية المشرقية لزلزال انفصال جنوب السودان؟" "قضايا النهار" - الثلاثاء 28/9/2010
آخر تعديل بواسطة Archivarius في 21 أكتوبر 2010 13:14، عدل 2 مرات.
DoOdY
Advanced Member
Advanced Member
 
مشاركات: 689
اشترك في: 07 ديسمبر 2008 00:28
مكان الإقامة: United States
الجنس: Female
الإحصائيات والأدوات:
Get more followers

Re: هل استعدت النخب العربية لاحتمال زلزال انفصال جنوب السودان

مشاركةبواسطة سماح » 21 أكتوبر 2010 00:10

أخطار كبيرة تحملها الرياح الساخنة في جنوب السودان

صورة

على طريقته دائماً في استشراف الأخطار، حذَّر الرئيس سليم الحص من أخطار الأخبار السيئة القادمة من السودان، ودعى جامعة الدول العربية إلى ضرورة التحرك لتجنيب السودان ويلات آتية.

السودان، أكبر دولة عربية من حيث المساحة، ومن أهمها على الإطلاق في مقوماته الزراعية، وتزايدت فيه الاكتشافات النفطية في السنوات الأخيرة، مما جعله محط أنظار الدول الكبرى الطامعة دائماً باستغلال هذه الثروات، جراء حاجتها إليها.

[hide-show]عاش السودان الذي يبلغ عدد سكانه 40 مليون نسمة 82%منهم من المسلمين، أكثر من عشرين عاماً حرباً أهلية شرسة، بين الشمال ممثلاً بحكومة الخرطوم والجنوب الذي تسكنه أغلبية مسيحية بقيادة الجيش الشعبي لتحرير السودان، وانتهت هذه الحرب باتفاق سلام وقع عليه الجانبان عام 2005 ، رعته الأمم المتحدة، وتضمًّن تقاسم السلطة، والاتفاق على إجراء استفتاء على تقرير مصير الجنوب، فيما إذا كان سينفصل عن الدولة الأم أم سيبقى ضمن الوحدة السودانية، كذلك إجراء استفتاء في منطقة إبيي الغنية بالنفط، حول ما إذا كان سكانها يرغبون البقاء مع حكومة الخرطوم في الشمال أو يفضلون الانضمام إلى الجنوب، وعلى أثر الاتفاق أيضا تم نشر عشرة آلاف جندي تابع للأمم المتحدة لحفظ السلام في مناطق الجنوب، (غير المراقبين الذين تساندهم قوات سلام افريقية منتشرين في إقليم دارفور الذي شهد ارتكاب جرائم حرب وله أوضاع خاصة مختلفة عن مشكلة الشمال والجنوب).

مع اقتراب موعد الاستفتاء المقرر في 9 كانون الثاني 2011 ، أعلن مقربون من الرئيس عمر حسن البشير، ومسؤولون في حزب المؤتمر الوطني الحاكم في الشمال عن استحالة إجراء استفتاء في محافظة آبيي في نفس موعد الاستفتاء على مصير الجنوب، لمجموعة من الأسباب ، منها سياسية ، ومنها لوجستية، خاصة أن المفاوضات التي تجري في إديس أبابا برعاية المبعوث الأميركي غرايشن لم تتوصل إلى اتفاق على مسألة مشاركة أفراد قبيلة المسيرية، وهم عرب رُحل، يعتبر الجنوبيون أنهم يدخلون المنطقة مدة شهور في السنة، بهدف الرعي وبحثاً عن المياه لمواشيهم، وليسوا مواطنين أصليين تابعين للمحافظة، وتكاد هذه المسألة بالذات أن تكون الشرارة التي يمكن أن تبدأ منها نار الحرب، لأن زعيم قبيلة المسيرية مختار بابو نمر قال:" إذا لم يتم إشراكنا بالاستفتاء فسنتدبر أمرنا لوحدنا"، مما يعني تهديداً ضمنياً بالحرب، وقال أيضا انه لا يعترف بالحدود التي أقرتها محكمة لاهاي لمنطقة آبيي.

في هذا الوقت، يتم خلط الأوراق السودانية على شاكلةٍ واسعة، ويتوالد حراك لم تشهده البلاد منذ خمس سنوات خلت (بصرف النظر عما جرى في دارفور). فالرئيس السوداني عمر حسن البشير يجهد لتقديم اقتراحات جديدة تدعوا إلى إعادة الاتفاق على تقاسم السلطة، وإعادة توزيع جديد لثروات البلاد أملا منه بأن يكون ذلك مدخلاً للإبقاء على الوحدة المهددة ، معتبراً أن قوى خارجية دولية ، خاصةً الولايات المتحدة الأميركية تسعى بكل إمكاناتها لتقسيم البلاد. في المقابل فإن الحركة الشعبية لتحرير السودان التي تتمتع بالنفوذ الواسع في الجنوب ترفض أي حديث عن تأجيل الاستفتاء في الجنوب وفي آبيي، وتهدد بإجرائه من جانب واحد بمراقبة دولية إذا تخلت الحكومة المركزية عن إجرائه، وتجهد لتوحيد موقف القوى والأحزاب الجنوبية في تأييد الانفصال، وهي تدعوا أيضا إلى نشر مراقبين دوليين على طول الحدود الفاصلة بين الشمال والجنوب ، خوفاً من استعدادات عسكرية، تقول إن الجيش السوداني النظامي يقوم بها، وإن بعض قياداته لا تلتزم بأوامر الحكومة، في إشارة إلى إمكانية أن يقوم هذا الجيش بهجوم على الجنوب فيما لو قرر الجنوب الانفصال بعد الاستفتاء.

الجيش السوداني كان قد أدان استعدادات الأمم المتحدة لنشر قوات دولية بين الشمال والجنوب واعتبر أن في الأمر خطة أميركية مدبرة لتقسيم البلاد والسيطرة على ثرواتها.
هذا التطورات المتسارعة على الساحة السودانية، تنذر بإنتاج ثلاثة مشكلات كبيرة لها انعكاساتها على الأوضاع العربية والأفريقية والدولية:

أولا : تجدد الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب، وبالتالي بين المسلمين والمسيحيين في هذا البلد، وسيكون في هذا الأمر إعادة تسميم الأجواء بين الفئتين داخل السودان وخارجه، فضلاً عن ما يعني ذلك من مؤشر بإعادة السماح للحروب الأهلية الداخلية بأن تُطل من جديد، بعد أن كانت قد أخمدت مع نهايات القرن الماضي في لبنان ويوغسلافيا السابقة واريتريا.

ثانياً : تدشين مرحلة تقسيمية جديدة ، قد تتوسع وتتمدد وفق طلب ومصالح القوى الدولية، على خلفيات دينية وأقلوية وعرقية، وتكون بذلك إسرائيل قد نجهت في إدخال المنطقة في نفق جديد يخدم أهدافها ، من البوابة السودانية، التي مهما اعتبر البعض أنها بعيدة ولا تؤثر في مسار الأوضاع الشرق أوسطية، سيكتشفون أن الأمر غير ذلك ، وأن الارتدادات للأحداث السودانية ستكون كبيرةُ جداً.

ثالثاً : تبدوا واضحةُ الانعكاسات الدولية للتطورات في السودان. فالولايات المتحدة الأميركية تفتش عن مكان تنجح فيه بعد إخفاقها في العراق وأفغانستان، إضافة إلى أطماعها بثروات السودان النفطية الهائلة، وهذا ما أعلن عنه الرئيس أوباما شخصياً، عندما قال أن الحرب في السودان تهدد مصالحنا، مشيراً إلى إمكانية تنامي الإرهاب من جرائها كما قال. ولم يعد سراً عروض الحماية التي تقدمها واشنطن للجنوب وعدائها مع حكومة الخرطوم، على خلفية أن الرئيس البشير مطلوب للعدالة الدولية.

في المقابل فإن عدد من الدول الكبرى لا تخفي تدخلها في السودان من دارفور إلى الجنوب، لا سيما بعد الاكتشافات النفطية الكبيرة فيه. ويبرز بشكل خاص دور الصين التي تحتضن حكومة الخرطوم وتدافع عنها، وهي استثمرت عام 2009مبلغ 9.2 مليار دولار في أفريقيا خاصة في السودان وموزنبيق، وبلغ تبادلها التجاري مع الخرطوم في نفس العام 6.39 مليار دولار، وسيكون للصين دوراً فاعلاً في الأحداث السودانية، كما تدل المؤشرات على عكس تسامحها في أماكن أخرى من العالم، وسيؤدي ذلك حكماً لتوتر علاقاتها مع الولايات المتحدة الأميركية، وبالتالي توتير العلاقات الدولية.

هل ينجح اجتماع المجلس الرئاسي في الخرطوم اليوم، في تجنيب السودان والمنطقة تجرع الكأس المر؟؟ نأمل ذلك.[/hide-show]

ناصر زيدان (الأنباء) 20 تشرين الأول, 2010
آخر تعديل بواسطة Archivarius في 21 أكتوبر 2010 13:15، عدل 1 مرة.
سماح
Advanced Member
Advanced Member
 
مشاركات: 730
اشترك في: 19 مايو 2009 14:19
مكان الإقامة: Lebanon
الجنس: Female
الإحصائيات والأدوات:
Get more followers

Re: هل استعدت النخب العربية لاحتمال زلزال انفصال جنوب السودان

مشاركةبواسطة Lama 2008 » 21 أكتوبر 2010 10:54

المقال والمآل في ما كتبه جهاد الزين ومناقشتا صلاح بدر الدين وخليل زهر

قراءة غير أيديولوجية للزلزال السوداني


بقلم أنيق ولغة رشيقة، والأهم من ذلك بفكر منفتح يبث جهاد الزين أفكاره وآراءه على صفحة "قضايا النهار"، ولطالما أغرانا بالاشتباك معه ودّياً، فعلى مدى السنوات العشر المنصرمة كنت قد قرأت ما جاد به قلم الزين من طروحات إشكالية لا تتعلق بالوضع اللبناني حسب، بل بالدور التركي والنفوذ الإيراني والمأزق الفلسطيني وقضايا التنوّع الثقافي والفيديراليات ورسائل السيستاني وغيرها.
وأتذكّر مرة كتبت بدعوة كريمة منه في مناقشة الفيديرالية العراقية، خصوصاً وهو يعرف موقفي من القضية الكردية ومن مبدأ حق تقرير المصير منذ عقود من الزمان، مثلما كتبت مرّات عديدة تقاطعت فيها مع صحيفة "النهار" التي كان السبق في فتح حوار بخصوصها في صفحة "قضايا النهار".
أسوق هذه المقدمة الطويلة لأدخل في صلب الموضوع الذي يتعلق بمقالة جهاد الزين حول " النخب العربية وزلزال انفصال السودان" ("النهار" 28 /9 /2010) والتي ناقشها الكاتبان صلاح بدر الدين ("الأكراد وزلزال جنوب السودان" 2 /10 /2010) وخليل زهر ("التصدي للتفكك بسلاح التنمية الاقتصادية" 16 /10 /2010)، وأظن أن الموضوع بحاجة إلى حوار وجدل واسعين لا في الإعلام فحسب، بل في الجامعات ومراكز الأبحاث والمنتديات الفكرية والثقافية، بإشراك النخب المختلفة الحاكمة وغير الحاكمة، بما فيها البرلمانات ومؤسسات المجتمع المدني وغيرها، لأن الموضوع لا يتعلق بأوضاع الحاضر فحسب، بل بأوضاع المستقبل.

[hide-show]البيئة الدولية أصبحت مشجّعة على مثل هذا الجدل بعد أن أصبح الأمر الواقع واقعاً، فبعد انتهاء عهد الحرب الباردة وتحوّل الصراع الايديولوجي من شكل إلى آخر جديد، انقسمت دول وكيانات، وشهد العالم قيام دول جديدة، سواءً على نحو حضاري، كما حدث في الانقسام المخملي بين التشيك والسلوفاك بعد فيدرالية دامت عقوداً من الزمان، أو جرّاء حروب ونزاعات وأعمال عنف ودماء غزيرة، كما حدث في يوغوسلافيا وبعض جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابقة.
وكنت قد كتبت في صحيفة "الخليج" الإماراتية بتاريخ 25 /8 /2010 مقالة بعنوان "كوسوفو وقرار محكمة لاهاي: أي دلالة مستقبلية"؟ وعدت لمناقشة هذا الأمر حول بلجيكا في الصحيفة ذاتها بتاريخ 22 /9 /2010 تحت عنوان "هل بات انقسام بلجيكا وشيكاً؟" فلم تعد الأنظمة الشمولية وحدها معرّضة للانقسام كما نعتقد لأسباب إثنية وقومية ودينية، بل إن أنظمة ديموقراطية عريقة وفوق ذلك فيديرالية تتعرض، للانقسام أيضاً.
أحسب أن الرأي العام العربي منقسم على نحو حاد إزاء موضوع جنوب السودان، الذي غدا مشكلة حقيقية لا يمكن حلّها، فقد فشلت الحكومات العسكرية وغير العسكرية السودانية في إيجاد حلول لها، خصوصاً أن الخيار العسكري لم يعد ممكناً، كما فشلت الحركة الجنوبية من تحقيق أهدافها عبر الخيار العسكري، وبات التدخل الخارجي، باسم الأمم المتحدة أو المحكمة الجنائية الدولية أو التدخل الإنساني باسم دارفور، تحصيل حاصل طالما وصلت أوضاع السودان إلى ما هو عليه الآن، ولأن جميع الاتفاقيات التي تم التوقيع عليها بين الشمال والجنوب وصلت إلى طريق مسدود، كما إن الاتفاق على إجراء استفتاء حول الوحدة والانفصال أصبح أمراً واقعاً، وستنظم عملية الاستفتاء في 9 كانون الثاني المقبل 2011، إذْ لم يعد من مناص سوى قبول نتائج الاستفتاء، طالما انه تقرر من الطرفين ولا يمكن العودة عنه، وإذا تم التنصل منه فإن ذلك سيعني اندلاع حرب لا قدرة للطرفين على تحمّل نتائجها ولا مفرّ من ضغوط دولية هائلة ستمارسها قوى متنفذة للوصول إلى ما ستعجز الحرب عن حلّه، وذلك سيعني خسارة مضاعفة، بالحرب وبالإقرار بنتائج لا مهرب منها، وقد تكون أكثر كارثية.
الولادة الجديدة أو إعادة صياغة مشروع الدولة السودانية التي حصلت على استقلالها في العام 1956 كان ممكناً لو توافرت مستلزمات المشترك الإنساني، وبخاصة حقوق المواطنة الكاملة والمتساوية على قاعدة الحرية والمشاركة والعدالة والهوية الجامعة العامة، مع الاحتفاظ بالهويات الفرعية، التي يمكن أن تكون عامل رفد للهوية الوطنية المتعددة والمتنوّعة والموحدة في الآن ذاته، أما وقد وصلنا إلى حالة العجز، فلا يمكن ندب الحظ أو الحديث عن مؤامرات خارجية وأطماع استعمارية، خصوصاً أن المشكلة مستفحلة والخراب شامل والحل في الوحدة المأمولة بعيد المنال، خصوصاً أن عوامل الجذب الطوعية الاختيارية أصبحت بعيدة أو غير سالكة، وعلى أية حال فإن نتائج الاستفتاء ستظهر الحقيقة عارية ودون قناع أو إدّعاء.
الجديد في الموضوع السوداني أن محكمة العدل الدولية في لاهاي التابعة للأمم المتحدة قررت في 24 تموز 2010 أن انفصال كوسوفو لا يتعارض مع قواعد القانون الدولي وذلك في سابقة دولية جديدة، الأمر الذي أعطى انفصال كوسوفو عن صربيا "شرعية قانونية دولية"، وهي شرعية لا تتعارض مع القانون الدولي، وهو ما حصل أيضا في تيمور الشرقية، على الرغم من أن "الشرعية الدولية" بخصوص فلسطين وقرار التقسيم العام 1947 كانت مخالفة صريحة لقواعد القانون الدولي واستمرت هذه المخالفة بقضم الأراضي والعدوان والاحتلال الإسرائيلي.
الشرعية الدولية تعني اتفاق القوى المتنفّذة في العلاقات الدولية في لحظة معينة على مواقف معينة، وقد تنسجم هذه المواقف وقد تتعارض مع القواعد العامة للقانون الدولي المعاصر التي جاء بها ميثاق الأمم المتحدة والتي تعززت في العام 1970 بإعلان الأمم المتحدة حول العلاقات بين الدول، والذي سمّي تصريح "التعايش السلمي"، أو عندما طوّرها مؤتمر الأمن والتعاون الأوروبي المنعقد في هلسنكي في العام 1975 في وثيقته الختامية التي تبنّت ثلاثة مبادئ جديدة آمرة في القانون الدولي Jus Cogens وهي مبدأ احترام حرمة الحدود وعدم خرقها ومبدأ الاستقلال السياسي ومبدأ حقوق الإنسان، كقواعد مستقلة، بضمّها إلى مبدأ المساواة في السيادة وتأدية الالتزامات بحسن نية وحل المنازعات الدولية بالطرق السلمية وعدم استخدام القوة أو التهديد بها في العلاقات الدولية وعدم التدخل بالشؤون الداخلية وغيرها.
أحسب أن الانقسام والاصطفاف بشأن الوضع السوداني قائم وسيتعمق، ولكن ماذا لو أصبح العيش المشترك مستحيلا؟ فما السبيل لحل المشكلة الجنوبية؟ وخصوصاً إذا كان بقاء الجنوب في كنف الدولة القائمة غير ممكن، فإمّا الحرب وحدّ السيف أو الرضوخ والقبول، طالما أصبح الأمر الواقع واقعاً منذ سنوات، إنه مثل الطلاق "أبغض الحلال عند الله" كما وصف لينين "الانفصال" في إطار حق تقرير المصير، خصوصاً أن الاتحاد الاختياري الطوعي لم يفضِ إلى احترام الحقوق وتأمين المواطنة المتساوية والكاملة حسبما يبدو.
وأعتقد أن عملاً من هذا القبيل سترنو إليه الأنظار في شمال العراق (كردستان) وهو أمر طبيعي، ولدى أكراد إيران وتركيا وسوريا، وإنْ كان الأمر بدرجات متفاوتة، وسنكون في هذه الحال أمام ديناميكية انفصالية، بعد أزمة الكيانات القائمة، فالمشكلة الكردية في العراق ظلّت بدون حل، منذ أن تم الالتفاف على معاهدة "سيڤر" العام 1920، خصوصاً بإبرام معاهدة لوزان 1923 حيث طويت القضية الكردية، حتى عادت إلى الأروقة الدولية في العام 1991 بصدور القرار 688 الخاص بكفالة احترام حقوق الإنسان والحقوق السياسية لجميع المواطنين ووقف القمع الذي تعرضت له المنطقة الكردية وبقية مناطق العراق، تحت باب التدخل الإنساني والأمر الواقع، حيث تم فرض خط العرض 36 " الملاذ الآمن Safe haven" وفي ما بعد الحظر الجوي No Fly Zone (لجنوب العراق).
وأيضا بعد أن وصلت نصوص دستورية واتفاقيات سياسية بين الكرد والحكومة العراقية إلى طريق مسدود، من دستور العام 1958 الذي أقرّ "شراكة العرب والأكراد" إلى دستور العام 1970 الذي اعترف بأن الشعب العراقي مؤلف من قوميتين رئيستين هما العرب والأكراد والذي أعقب اتفاقية 11 آذار حول الحكم الذاتي التي سن على أساسها قانون بالاسم ذاته 1974، لكن الحرب وعمليات الإبادة تركت ذكريات مأسوية ومؤلمة، بما فيها قصف حلبجة بالسلاح الكيميائي وعملية الأنفال التي راح ضحيتها عشرات الآلاف من المواطنين الأكراد، ولم يكن ذلك في معزل عن مداخلات خارجية وصولاً لوقوع العراق تحت الاحتلال في العام 2003.
وإذا كان الدستور العراقي النافذ (2005) قد أقرّ مبدأ الاتحاد الفيديرالي، وكان قبله برلمان كردستان قد اتّخذ مثل هذا القرار من طرف واحد العام 1992، فإن استمرار حال الاحتدام وعدم الثقة وبقاء الكثير من المشاكل عالقة، في ظل ضعف هيبة الدولة وعدم استكمال قيام المؤسسات الاتحادية (الفيديرالية)، سيعاظم من نزعات التباعد بدلاً من التقارب، ولعل ذلك سيكون عنصر تشجيع، إذا سمحت به الظروف وإذا أصبح العيش المشترك مستحيلاً، عبر تضخيم الذات أو محاولة فرض حلول من طرف واحد، أو الشعور بضرورة الاستقلال كيانياً بما يحقق الطموح المشروع في إطار حق تقرير المصير.
وهنا ما ينبّه إليه جهاد الزين حول الانفصال تحت الطاولة، بما يضرّ بسمعة الثقافة الفيديرالية، والأمر الذي بحاجة إلى التذكير هو أن نظاماً فيديرالياً قائماً على اقتناع القوى الفاعلة في المشهد السياسي ومن خلال إبراز وتعزيز الهوية الثقافية الفرعية وليس طمسها، مع الحفاظ على التفاعل والتعاشق مع الهوية العامة، سيكون أساساً سليماً للوحدة الجاذبة الطوعية، الاختيارية، طبقاً لمبدأ حق تقرير المصير، وعلى العكس من ذلك، فإن أية وحدة لن تدوم ما دام الفريق المضطهد تاريخياً يعتقد بانعدام المساواة وبالحيف والغبن، فضلاً عن الرغبة في التمكّن من التعبير عن حقوق أصيلة لا تتعارض مع القوانين الدولية، عندها سيكون الأمر الواقع واقعاً.
ليس بالقراءة الإيديولوجية أو التشبث بالوحدة مهما كان الثمن ولو على حساب البشر، أو نبذ الانفصال حماية لكيانيات الدول، بل بالحريات والاعتراف بالحقوق الإنسانية والتعددية والتنوّع الثقافي، وبالمساواة والمواطنة الكاملة، القائمة على العدل، وهذا هو أحد أهم دروس الزلزال السوداني.[/hide-show]

عبد الحسين شعبان (أكاديمي وباحث عراقي) النهار
آخر تعديل بواسطة Archivarius في 21 أكتوبر 2010 13:17، عدل 1 مرة.
Lama 2008
Moderator
Moderator
 
مشاركات: 664
اشترك في: 07 ديسمبر 2008 00:26
مكان الإقامة: Lebanon
الجنس: Female
الإحصائيات والأدوات:
Get more followers

Re: هل استعدت النخب العربية لاحتمال زلزال انفصال جنوب السودان

مشاركةبواسطة DoOdY » 21 أكتوبر 2010 13:06

رهان على تقسيم يدوم إلى حين تجهضه من الداخل صراعات القبائل

جنوب السودان: الانفصال القائم... والعربي المنبوذ!


صورة
طفل سوداني أمام نهر غولو في جنوب السودان. (عن موقع منظمة «سي إتش إف»)

نظرات الريبة والشك التي تلاقي الزائر العربي لمدينة جوبا في جنوب السودان، لا تدع أي مجال للشك بأن الجنوبيين ما عادوا قابلين بأي شكل من أشكال الوحدة مع الشمال العربي ولا المشروع الإسلامي، وباتوا يفضلون الغرب أولا والجوار الأفريقي ثانيا. وليس غريبا أن يمد الزائر العربي يده لمصافحة أحد أبناء جوبا فترتد اليد الأخرى إلى الوراء وتحل مكانها نظرة فيها من العدائية ما لا يبشر بأي خير.
هو التاريخ الاستعماري ربما، وهي الحرب التي امتدت أكثر من عشرين عاما بلا شك، لكن هو أيضا التأجيج المباشر وغير المباشر الذي تبثه دعاية الحركة الشعبية في الجنوب بغية الانفصال عن الشمال السوداني.
ليس غريبا والحالة هذه أن يسمع الزائر العربي في جوبا عبارات من نوع «لا نريد عربا هنا»، وهو أمر يدعو فعلا للتساؤل عن سر هذا الحقد الدفين والمعبر عنه بوسائل مختلفة، اقلها الرغبة الفعلية في الانفصال، والأسوأ فيها تنامي مشاعر العنصرية، كرد فعل تاريخي على عنصرية أخرى كانت على ما يبدو تمارَس ضد جنوبيين في شمال السودان.

[hide-show]تقول عواطف، وهي باحثة سودانية في علم الإحياء وناشطة في مجال مكافحة الإيدز، «كنت أدرس في الخرطوم، وكنت كلما مشيت مع صديقتي السودانية الشمالية، يتضاحكون علي ويقولون لها بشيء من السخرية، لماذا تسيرين مع زيتونة». والزيتونة هنا تشير إلى اللون الأسود، وتروي كيف أنها، هي المسيحية، كانت تضطر لارتداء غطاء الرأس وثياب طويلة فضفاضة لتناسب مبادئ الشريعة المفروضة في شمال البلاد.
لا شيء في جوبا يشبه الخرطوم، فالجنوب يبدو منفصلا فعليا عن الشمال، ولو جاء الصحافي مثلا بتصريح شمالي للعمل هنا، فقد يلقى شيئا من السخرية، ويسارع مسؤول الإعلام للمجاهرة بشيء من العصبية والغضب: «هذا لا نعترف به هنا، نحن دولة مستقلة في ظل النظام القائم حاليا، وان كنت تريد أن تعمل بهذا التصريح فما عليك سوى العودة إلى الخرطوم».
فوضى عارمة في جوبا. وعاصمة الجنوب تشبه إلى حد بعيد ما كانت عليه بيروت أثناء سيطرة منظمة التحرير والميليشيات المسلحة، لا تدري من يوقفك في الطريق، ومن يطلب هويتك، والازدهار الاقتصادي الذي شهدته في السنوات الخمس التي أعقبت «اتفاق نيفاشا» للسلام منذ العام 2005، بات يؤكد في ذهن المواطن الجنوبي أنه كلما ابتعد الجنوب عن الشمال، كلما تحسن وضعه.
وعلى أهميتها، فإن مساحيق الاقتصاد لا تلغي تجاعيد الحرب ومفاعيل النزوع نحو الانفصال، وليس غريبا أن الفندق اللبناني ذا الخمس نجوم القائم في جوبا والذي يعتبر الأول من نوعه هناك رغم حداثة إنشائه، ليس غريبا أن يكون مضطرا لتوظيف 12 حارسا جنوبيا مسلحين برشاشات الكلاشينكوف، وما أن ينتصف الليل حتى تغلق كل الأبواب الخارجية خشية تكرار عملية السطو المسلح التي تعرض لها سابقا حيث تم سلب 22 ألف دولار من صندوق الفندق.
لكن مديره ناظم فياض، رجل الأعمال الناجح وابن بلدة أنصار الجنوبية، والمولود في سيراليون، يقول إن جوبا تغيرت كثيرا في السنوات الخمس الماضية، وإن القيادة الجنوبية تسهل مهمة المستثمرين بحيث أن إجراءات البناء والاستثمار في الجنوب باتت أكثر سهولة مما هي عليه مثلا في الخرطوم. ويروي كيف أنه حين غامر بالمجيء إلى عاصمة الجنوب الخارجة لتوها آنذاك من عقدي الحرب، لم يكن أي شيء يوحي بحياة عصرية، فلا سيارات ولا فنادق ولا بنى تحتية، واضطر إلى أن ينام مع أقربائه في غرفة بنوها مما تيسر حتى يبدأوا العمل، أما اليوم فان فندقه المكون من 92 غرفة يبقى مشغلا 100 في المئة طيلة العام تقريبا.
وبات هشام فياض قريب ناظم، المالئ المكان حيوية وروح نكتة، يعرف كل مسؤولي الحركة الشعبية وحكومة الجنوب، وليس مفاجئا أن ترى إلى طاولته قياديا جنوبيا يتناول المنقوشة بالزعتر أو البيتزا المطعمة بنكهة لبنانية.
يبدو أبناء الجنوب السوداني فرحين بقرب انفصالهم عن الشمال، يحدوهم الأمل بأنه بمجرد الانفصال ستسيل أنهار اللبن والعسل، وسوف يبيض النفط ذهبا خالصا، ويحل النعيم محل الحرمان والفقر، وهذا بالضبط ما يشاهدونه في جوبا التي صارت فيها زحمة السيارات والمحال العشوائية، وحركة فنادق غريبة من نوعها، ذلك أن غرفة متواضعة في فندق مبني من ألواح الألومينيوم قد تكلف ما بين 200 و300 دولار لليلة الواحدة.
وعلى غرار ما كانت عليه بيروت في عهد الميليشيات، فإن سيارات الدفع الرباعي والجيبات تجوب الشوارع على نحو عشوائي، تتخللها مئات الدراجات النارية، وتجد شبانا ينتظرون عند جوانب الطرقات يرصدون كل حركة غريبة في مدينتهم، أما الغرباء فحدِّث ولا حرج، من القوات الدولية إلى المبعوثين الدوليين إلى المبشرين بالمسيحية.
ولو ابتعدت أمتارا قليلة عن فندق «صحارى» اللبناني، فستجد لافتة لفندق مجاور مكتوبا عليها «Shalom». لم يعد غريبا في جوبا أن تسمع عن إسرائيل وتشاهد آثارها في السياسة والأمن والحركة التجارية، وان عز الأمر مباشرة، فلم لا عبر الأصدقاء الإريتريين الذين يحركون الكثير من الفنادق هناك.
وفي الطريق الفاصلة بين فندق «نيو سلام» والمطار، تسير تظاهرة تضم أكثر من 200 شخص، كلهم رهبان وراهبات سود، يتربع الصليب الكبير على صدورهم، كأنما للقول إن وجهة المدينة ستكون بعد اليوم غربية مسيحية افريقية.
يتصور المرء كيف ستكون حال الدكتور حسن الترابي منظّر الإسلام الحديث في السودان، لو شاهد تلك التظاهرة، هو الذي صدَّق يوما ما أن مشروعه الحضاري الإسلامي سيعم الجنوب ويمتد عبره صوب الجوار الأفريقي، ولمَ لا: صوب العالم أجمع.
تشكل جوبا بلا شك فشلا ذريعا للمشروع الإسلامي، وقلما تجد مسؤولا جنوبيا من الحركة الشعبية أو من معارضيها، لا يحمّل «الهيمنة العربية الإسلامية» مسؤولية ما حدث وسيحدث للجنوب وغير الجنوب.
هذا منصور خالد، وزير الخارجية السابق والقيادي في الحركة الشعبية الجنوبية برغم أنه شمالي، يقول صراحة في كتابه عن الجنوب والهيمنة والقمع، إن العروبيين في السودان هم الذين أوصلوا الأوضاع إلى ما هي عليه بسبب استعلائهم وقمعهم. ويسعى هذا المثقف السوداني اللامع والمتهم بالدوران في مناخات أميركية، للتأكيد أن الحركة الشعبية كانت مع قائدها الكاريزماتي جون قرنق وحدوية إلى أقصى حد وان كل ما يقال عن علاقتها بإسرائيل ليس سوى صنيعة أوهام العروبيين.
وفي الشمال أيضا قد تجد الصادق المهدي زعيم حزب الأمة وطائفة الأنصار، منتشيا وقلقا في خيمة حديقة منزله الفسيح في أم درمان. فأما النشوة فلأنه يشهد بأم العين تفكك مشروع ما بقي من الجبهة الإسلامية في النظام الحالي، ذلك أن الرجل يحمل حقدا دفينا على من خلعوه من السلطة. وأما القلق فليقينه بأن الانفصاليين في الجنوب لا يفرقون بينه وبين الترابي أو عمر حسن البشير، فالهدف هو كل عربي إسلامي، على الأقل في مرحلة أولى.
يسوي الصادق المهدي ثوبه السوداني الأبيض، يمسد لحيته المحنّاة، ويقول إن ما وصل إليه الجنوب من نزوع نحو الانفصال وما قد تصل إليه مناطق أخرى كدارفور أو أبيي، «إنما هما تعبير عن فشل حتمي كان سيصل إليه النظام».
ويطرح المهدي حلولا لإنقاذ البلاد خشية التغلغل الإسرائيلي الغربي وتطويق الأمن العربي من الجنوب. ومن هذه الحلول مثلا مفوضية حكماء أو قمة سياسية تضم الجميع لبحث المستقبل السياسي للبلاد. وهو حين يطرح مثل هذه الأفكار فإنما تدغدغه على الأرجح فكرة الإطاحة بالنظام الحالي.
لكن اللبن والعسل الموعودين في الجنوب، قد ينقلبان علقما على دعاة الانفصال، فالصراعات الجنوبية الجنوبية كثيرة، وها هو موقع وزارة الخارجية الفرنسية على الانترنت يؤكد مثلا انه منذ العام الماضي قتلت تلك الصراعات أكثر من 9 آلاف شخص.
وليس أفضل من الدكتور المهندس لام أكول زعيم ومؤسس حزب الحركة الشعبية لتحرير السودان ـ التغيير الديموقراطي، أي الحزب الذي انشق عن الحركة الشعبية، للتعبير عن طبيعة الصراعات. فهو يشن حملة شعواء ضد حكومة الجنوب ويتهم الحركة الشعبية بزعامة سلفا كير ميارديت (نائب الرئيس السوداني) بالسعي تحت تأثيرات غربية لفصل الجنوب.
التقيته في أحد فنادق جوبا، حيث كان شارك لتوه في مؤتمر جنوبي ـ جنوبي بغية الاتفاق على المرحلة المقبلة، فأكد ضرورة وقف احتكار الحزب الواحد في الجنوب للسلطة، أي الحركة الشعبية، وأن الانفصال قد لا يحصل لو أن الأطراف الأخرى قالت كلمتها. وجدد التأكيد أن الحركة الشعبية هي التي تنمي مشاعر الانفصال عند الجنوبيين، لكنها لا تسيطر على الشارع الجنوبي.
يبدو أن في ما يقوله لام أكول كثيرا من الصحة، فإذا كانت الحركة الشعبية تستند خصوصا إلى المد الشعبي القبلي الذي تمدها به قبائل الدينكا، فماذا عن قبائل النوير والشُّلُك الجنوبية، وماذا عن قبائل المسيرية العربية التي ستدخل على الأرجح في مرحلة النزاع المسلح الخطير مع قبائل الدينكا ـ نقوك في منطقة أبيي ما لم يتم الاعتراف بحقها في الرعي والثروة النفطية والحدود.
لعل هذا بالضبط ما يراهن عليه أهل الشمال السوداني برغم خطورة الأمر، فثمة قيادات شمالية بارزة تقول دون رغبة في ذكر اسمها، أن الانفصال قادم بلا شك في ذلك، لكنه قد لا يدوم طويلا، ذلك أن تناحر الجنوبيين بين بعضهم والمشاكل التي قد تقع عند الحدود، سترهق الجنوبيين وتضعضع قواعدهم وترهق اقتصادهم، وربما بعد ذلك تقوم وحدة جديدة على أسس أخرى. وهم في ذلك لا يستبعدون المقارنة مع ما حصل بين شمال اليمن وجنوبه.
وهذا بالضبط ما تسعى الدول الغربية لتجنبه، وهذا ما يفسر الزخم الكبير في الدعم السياسي والاقتصادي والأمني الذي تقدمه أميركا ودول غربية وبعض الدول الأفريقية للجنوب. في ذهن هؤلاء، ينبغي أن تنجح التجربة الانفصالية الجنوبية كي يشتد الطوق على نظام الرئيس عمر حسن البشير.
وماذا عن العرب؟
كاد السؤال يستحق مجرد ابتسامة ساخرة، لكن ثمة وعيا عربيا متأخرا لا بد من الإشارة إليه، فها هي مصر المهددة قبل غيرها بانفصال الجنوب، تكثف المساعدات الإنسانية والاجتماعية والطبية، وذلك بعد أن كانت نسجت في السنوات القليلة الماضية علاقات ود مع القيادات الجنوبية بغية كسب ودها. وها هو أحد أبناء الشيخ زايد من الإمارات يأتي بمشروع زراعي اقتصادي بحوالي 200 مليون دولار، وبينهما عقدت جامعة الدول العربية مؤتمرا في عاصمة الجنوب بغية تعزيز الاستثمار وأواصر الصداقة.
ولا يخفي نائب رئيس مجلس النواب السوداني أتيم قرنق وهو أحد القادة الجنوبيين، رغبته الواضحة في أن يأتي المستثمرون العرب للعمل في الجنوب، ويقول بشيء من اللؤم التاريخي «متى سيخرج أخواننا العرب من حس المؤامرة، ويتعاملون مع الواقع، وبدلا من أن يتركوا إسرائيل وغيرها تدخل إلى الجنوب، فليأتوا ويقيموا علاقات اقتصادية وسياسية، فإسرائيل دولة صغيرة وفقيرة بالمعنى الاستثماري وهم أثرياء وفي الجنوب مساحات شاسعة من الأراضي القابلة لكل أنواع الاستثمار».
لعل الجانب الجغرافي والاستثماري في ما يقوله صحيح، فحين كانت الطائرة تحلق بنا فوق الجنوب، كانت المساحات الخضراء والغابات والأراضي الخصبة ونهر النيل والطبيعة الخلابة والامتدادات الشاسعة لتلك الأراضي تدفع إلى سؤال واحد «لماذا يقتل العرب دولهم واحدة تلو الأخرى، وهم قادرون على الاكتفاء الذاتي لو وضعوا مجرد استراتيجية زراعية بسيطة؟!».
لا شك في أن الجواب صعب، خصوصا أن عددا من القادة العرب لا يعرف على الأرجح أين تقع جوبا، ومن هي قبائل الدينكا والنوير والشلك والمسيرية وغيرها، ولا يعرفون أن هذا السودان المجاور لثماني دول وذا المساحات الشاسعة الغناء، والذي منه تستورد شركتا «كوكا كولا» و«بيبسي كولا» الصمغ العربي بدراهم قليلة، هو منجم من الثروات الطبيعية التي ستضيع على الأرجح شبرا خلف شبر بينما نبني لغيرنا ناطحات سحاب على الرمال.
ولمن يود معرفة شيء في الوقت الراهن عن السودان، فمفاده، أن البلاد مقبلة على مصير قاتم، وان الانفصال سيجر الانفصال، وان مؤامرة كبيرة تحاك ضد السودان الذي لم يبق لشعبه الطيب والمحب تاريخيا للعرب وقضاياهم، سوى جلسات «الونس» حين تغيب الشمس فوق نهر النيل.

بطاقة جمهورية السودان

ـ العاصمة: الخرطوم.
ـ أكبر المدن: أم درمان.
ـ الرئيس: عمر حسن البشير.
ـ نائب الرئيس الأول: سلفا كير.
ـ نائب الرئيس الثاني: علي عثمان طه.
ـ الاستقلال عن مصر وبريطانيا: 1 كانون الثاني 1956.
ـ المساحة: 2,505,813 كم2 (يحتل المرتبة العاشرة بين بلدان العالم الأكبر مساحة، والأولى في أفريقيا).
ـ عدد الولايات: 25.
ـ المياه: 6 في المئة من المساحة الإجمالية.
ـ تعداد السكان للعام 2007: 39 مليون نسمة.
ـ المعتقدات: 70 في المئة مسلمون و17 في المئة مسيحيون.
ـ الزراعة: 80 في المئة من نشاط السكان.
ـ الثروة الحيوانية: أكثر من 130 مليون رأس حيواني.[/hide-show]

سامي كليب - جوبا (السودان) : السفير
آخر تعديل بواسطة Archivarius في 21 أكتوبر 2010 13:58، عدل 2 مرات.
DoOdY
Advanced Member
Advanced Member
 
مشاركات: 689
اشترك في: 07 ديسمبر 2008 00:28
مكان الإقامة: United States
الجنس: Female
الإحصائيات والأدوات:
Get more followers

Re: هل استعدت النخب العربية لاحتمال زلزال انفصال جنوب السودان

مشاركةبواسطة DoOdY » 21 أكتوبر 2010 14:06

إسرائيل والجنوب

قدّم الكاتب اليهــودي أبراهام غالانت في العام 1907 اقتراحاً واضحاً إلى الوكالة اليهودية بأن يكون السودان من بين الدول المرشحة لتوطين اليهود قبل فلسطين. اقتــراح يؤكــد أن السودان لطــالما كان محــطّ اهتمام الصهيونيــة منذ أكــثر من مئة عام، ولكنه تركــز بشــكل أكبر على الجــنوب، حيث الأرضية المهيأة لتحقيق أطماعهم في السيـطرة على منابــع النيــل وتحقيــق مشروع «إسـرائيل الكبرى». وفي الآتي بعــض الإضاءات على الدور الإسرائيلي في السودان، وجنوبه بالدرجة الأولى:

[hide-show]ـ في كتاب وثائقي صدر في العام 2002 عن مركز «دايان» لأبحاث الشرق الأوسط وأفريقيا في جامعة تل أبيب للعميد في الاستخبارات الإسرائيلية موشي فرجي بعنوان «إسرائيل وحركة تحرير جنوب السودان»، يتضح أن رئيس وزراء إسرائيل الأول، ديفيد بن غوريون، أسس الانطلاقة الأولى لفرضية رئيسية أقام عليها الإسرائيليون تعاونهم ودعمهم غير المحدود للأقليات العرقية والدينية في الوطن العربي. وقد أصدر بن غوريون أوامره إلى أجهزة الأمن للاتصال بزعامات الأقليات في العراق والسودان وإقامة علاقات مختلفة معها، وقد سبق ذلك إيجاد محطات اتصال في كل من إثيوبيا، أوغندا، كينيا والكونغو. ويؤكد فرجي أن «دور إسرائيل بعد انفصال الجنوب وتحــويل جيشــه إلى جيش نظامي، سيكون رئيسياً وكبيراً، ويكاد يكون تكوينــه وتدريبه وإعداده صناعة كاملة من قبل الإسرائيليين، وسيــكون التأثير الإسرائيلي عليه ممتداً حتى الخرطوم، ولن يكــون قاصراً على مناطق الجنوب، بل سيمتدّ إلى أرجائه كافة ليتحقق الحلم الاستراتيجي الإسرائيلي في تطويق مصر، ونزع مصادر الخطر المستقبلي المحتمل ضدنا».

ـ قال الزعيم السابق للحركة الشعبية لتحرير السودان جون قرنق، بحسب مقال نشرته مجلة «العصر»، خلال إحدى زياراته إلى العاصمة الإريترية أسمرة ولقائه مسؤولاً إسرائيلياً كبيراً في وزارة الدفاع، معترفاً بفضل إسرائيل عليه «أنتم ظهر الجماعات والأقليات المقهورة، ولولاكم لما تحرر الأكراد من العبودية العربية، ولما نفض الجنوبيون في السودان عن كاهلهم غبار الخضوع والخنوع والذل والعبودية، ونحن نتطلع إلى استمرار هذا الدور، حتى بعد أن يتمكن الجنوبيون من تشكيل كيان سياسي وقومي خاص بهم متسلحاً ومنفصلاً عن سيطرة الشمال».
ـ قال وزير الأمن الإسرائيلي السابق آفي ديختر في محاضرة ألقاها في 4 أيلول 2008 في معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي، نقلاً عن موقع اللجنة العربية لحقوق الإنسان الالكتروني: «كون السودان يشكل عمقاً استراتيجياً لمصر وهو معطى تجسّد بعد حرب الأيام الستة في العام 1967 عندما تحول السودان إلى قواعد تدريب وإيواء لسلاح الجو المصري وللقوات البرية إلى جانب ليبيا، كان لا بد أن نعمل على إضعاف السودان وانتزاع مبادرته في بناء دولة قوية موحدة رغم التعددية الإثنية والطائفية وذلك من المنظور الاستراتيجي الإسرائيلي الضروري لدعم وتعظيم الأمن القومي الإسرائيلي.
ـ عبرت عن المنظور الإسرائيلي لمستقبل السودان رئيسة الوزراء الإسرائيلية غولدا مئير، عندما كانت تتولى وزارة الخارجية وكذلك ملف أفريقيا في العام 1967 عندما قالت بحسب موقع اللجنة العربية لحقوق الإنسان الإلكتروني «إن إضعاف الدول العربية الرئيسية واستنزاف طاقاتها وقدراتها، واجب وضرورة من أجل تعظيم قوتنا وإعلاء عناصر المنعة لدينا في إطار المواجهة مع أعدائنا. وهذا يحتّم علينا استخدام الحديد والنار تارة والدبلوماسية ووسائل الحرب الخفية، تارة أخرى».[/hide-show]

السفير
آخر تعديل بواسطة Archivarius في 21 أكتوبر 2010 14:06، عدل 1 مرة.
DoOdY
Advanced Member
Advanced Member
 
مشاركات: 689
اشترك في: 07 ديسمبر 2008 00:28
مكان الإقامة: United States
الجنس: Female
الإحصائيات والأدوات:
Get more followers

Re: هل استعدت النخب العربية لاحتمال زلزال انفصال جنوب السودان

مشاركةبواسطة DoOdY » 21 أكتوبر 2010 14:15

الرنك ... مثـال التعايـش

صورة
ضابط نيوزيلندي مع جنود من جيش جنوب السودان في العام 2009 (عن موقع الجيش النيوزيلندي)

في أقصى شمال السودان الجنوبي، تظهر جليّاً التحدّيات التي ستواجه الجنوب في حال انفصاله. غير أنّ هذه المنطقة، وتحديداً مدينة الرنك الحدوديّة، تختلف كثيراً عن باقي أرجاء السودان بإنارتها الكهربائية على مدار الساعة، طرقها المعبّدة، وأسواقها الليليّة بسكّانها الشماليّين والجنوبيّين، والحضور القوي لمهاجري إثيوبيا المجاورة.
وبعد صراع طغت عليه عقيدة «المركز والأطراف» منذ الاستقلال، تُعتَبَر الخرطوم مركز النخبة الغنيّة والنافذة. لكن بعد إنماء العاصمة، امتدّت ثروات واستثمارات حزب المؤتمر الوطني الحاكم مع مرور الوقت لمناطق أخرى، محاذية بغالبيتها لجنوب نهر النيل.

[hide-show]تقع مدينة الرنك على مرمى حجر (حرفيّاً) من الخط الحدودي المتنازع عليه، والذي من المرجّح أن يقسم السودان لشطرين بعد الاستفتاء المرعب. ولا يتوقّع المرء أن يصل النمو الذي تتمتّع به أجزاء شماليّة إلى هذه النقطة. لكن عند رؤية أعمدة الإنارة الكهربائية الشاهقة التي استحدثها العام الماضي «صندوق دعم الوحدة» المموّل من الحكومتين الشمالية والجنوبيّة، يبدو واضحاً أنّ تأثير الشمال امتدّ إلى ما بعد الحدود بأكثر من طريقة.
ويطرح واقع المدينة أسئلة كثيرة حول مستقبل الجنوب، وحول طريقة التفاعل بين الشطرين بعد الانفصال الذي وصفته وزيرة الخارجيّة الأميركيّة هيلاري كلينتون بـ«أنّه لا يمكن تفاديه». فهل سيُسمَح للشماليين تجّاراً وملاكين وعمّال بأن يعيشوا حياتهم ويعملوا في مكان مثل مدينة الرنك؟
وهل سيُجبر الجنوبيّون من أهل المدينة، وهم يتحدّثون بغالبيتهم العربيّة، على الخضوع لسياسات حكومة جوبا، ولو تبيّن أنّها مناقضة لعاداتهم ونمط حياتهم؟
وأخيراً، هل ستتحوّل المدن الحدوديّة كـالرنك، وهي مثال إيجابي على العيش المشترك المسالم بين المجموعات السودانيّة، لتصبح ساحات معركة إذا لم تعجب نتائج الاستفتاء طرفا أو آخر؟
من المؤكّد أن وقائع الحياة الحاليّة لهذا المجتمع الحدودي ستتغيّر دراماتيكيّاً بعد التصويت في الجنوب على الانفصال. ومن الرنك يتخذ الانفصال الجنوبي المتوقع، والمدعوم غربياً، معنى غير الذي تروّج له أميركا، بتهديد مجتمع تعدّدي غني بعناصره المختلفة، ورمز حقيقي لعظمة التنوّع السوداني. هذا التنوّع المهدّد بالزوال قريباً.[/hide-show]

(«عن كريستيان ساينس مونيتور» بتصرف) السفير
DoOdY
Advanced Member
Advanced Member
 
مشاركات: 689
اشترك في: 07 ديسمبر 2008 00:28
مكان الإقامة: United States
الجنس: Female
الإحصائيات والأدوات:
Get more followers

التالي

العودة إلى شــؤون عــربــيــة ودولــيــة

المتواجدون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 1 زائر

cron
This site is hosted by Free-Forums.org - get a forum for free. Get coupon codes.
MultiForums powered by echoPHP phpBB MultiForums