خارطة الاحتجاجات العربية ومستقبل الأنظمة الملكية والأميرية

قوانين المنتدى
Bookmark and Share
- تحليلات سياسية أمنية للوضع الدولي عموماً.

خارطة الاحتجاجات العربية ومستقبل الأنظمة الملكية والأميرية

مشاركةبواسطة رزان » 06 مارس 2011 18:10

خارطة الاحتجاجات العربية ومستقبل الأنظمة الملكية والأميرية

اتسعت حركة الاحتجاجات الشعبية الشرق أوسطية الغاضبة ونلاحظ أن التقارير والتحليلات السياسية ركزت على تطورات الأحداث والوقائع الجارية المرتبطة بهذه الاحتجاجات، وأغفلت كشف الارتباطات النوعية وطبيعة الأطر السياسية الكلية التي شكلت مجرى سياق الاحتجاجات: فما هي طبيعة هذه الاحتجاجات؟ وما هو الجهد الرئيسي الذي يشكل قوام حركتها وإلى أين تتجه؟

* خارطة الاحتجاجات السياسية الشرق أوسطية: توصيف المعلومات الجارية

شهدت منطقة الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين المزيد من الاحتجاجات الشعبية السياسية الغاضبة، وفي هذا الخصوص نشير إلى مكونات هذه الخريطة على النحو الآتي:

• النطاق الجغرافي: تونس، مصر، ليبيا، اليمن، مملكة البحرين، سلطنة عُمان، العراق، السعودية، الجزائر، المملكة المغربية، جيبوتي، الصومال وإيران.
• قضايا الاحتجاجات: الأوضاع الاقتصادية، الحقوق السياسية، الفساد.
• آليات الاحتجاج: المظاهرات، الاعتصامات، المواجهات المسلحة.

هذا، وتشير المعطيات الجارية إلى احتمالات أن تتزايد حدة الاحتجاجات الليبية إلى مستوى الحرب الأهلية إضافة إلى تزايد حدة الاحتجاجات البحرينية إلى مستوى العصيان المدني الشامل، وبالنسبة لسلطنة عُمان والمملكة العربية السعودية والمملكة الأردنية الهاشمية والمملكة المغربية إلى مستوى المسيرات الحاشدة الكبيرة الحجم، وبالنسبة لليمن، فإن احتمالات التصعيد المزدوج الذي يصل إلى الجمع بين الحرب الأهلية والعصيان المدني الشامل أصبح هو السيناريو الأكثر احتمالاً.
وإضافة لذلك، تشير المعطيات إلى احتمالات أن تشهد الساحة السياسية العراقية موجة احتجاجات شعبية غاضبة جديدة بعد أن خفتت حدة الموجة الأولى، وإضافة لذلك تقول المعلومات بأن الكويت وقطر و الإمارات العربية المتحدة أصبحت أكثر تحسباً لاحتمالات تزايد قوة الغضب الشعبي، وفي هذا الخصوص سعت الكويت إلى اتخاذ المزيد من الإجراءات الوقائية لجهة إقامة الحواجز اللازمة لصد انتقال عدوى حركة الاحتجاجات الشرق أوسطية، وعلى وجه الخصوص الاحتجاجات البحرينية والعمانية والسعودية طالما أن الأوضاع والظروف السياسية الكويتية تتشابه إلى حد التطابق مع الأوضاع السياسية السعودية والبحرينية والعمانية.

* الجهد الرئيسي في حركة الاحتجاجات: تحليل القواسم المشتركة

على أساس اعتبارات تحليل الشعارات المطلبية التي رفعتها جماهير المتظاهرين يمكن التوصل إلى تحديد محفزات هذه الاحتجاجات ويمكن الإشارة إلى ذلك على النحو الآتي:

• المحفزات الاقتصادية: شكلت القوام الأساسي الذي أشعل وقود الاحتجاجات التونسية والمصرية.
• المحفزات السياسية التي شكلت القوام الأساسي الذي أشعل وقود الاحتجاجات البحرينية والسعودية والعمانية والليبية والأردنية والمغربية.

هذا، ونلاحظ بالنسبة للمحفزات الاقتصادية-السياسية أنه في البلدان التي شكّل فيها العامل الاقتصادي المحفز الأساسي، نلاحظ أن العامل السياسي كان مصاحباً له كعامل ثانوي، وفي هذه البلدان التي شكل فيها العامل السياسي المحفز الرئيسي، فإن العامل الاقتصادي كان ظهوره ضعيفاً.
إضافة لذلك، نلاحظ أنه بالنسبة للاحتجاجات السياسية الشعبية التونسية والمصرية، فإنها لم تتوقف بالرغم من الإطاحة برأس النظام في كل من تونس ومصر، حيث استمرت حركية الاحتجاجات من أجل المطالبة باستكمال المطالب، وذلك لإدراك المحتجين بأن مطلب القضاء على النظام هو الأساس، وبالتالي، فمن غير المقنع الاكتفاء بالقضاء على رأس النظام، وترك النظام باقياً كما هو.
* استهداف الأنظمة الملكية: التطور النوعي الجديد

تطورت حركة الاحتجاجات السياسية الشعبية الشرق أوسطية باتجاه التمركز الجهودي في المناطق الآتية:

- دول منطقة مجلس التعاون الخليجي، وتحديداً في البحرين وسلطنة عمان والسعودية إضافة إلى احتمالات باندلاع وشيك للاحتجاجات في كل من الكويت والإمارات وقطر، وجميع هذه الدول تتميز بنظام الحكم القائم على مبدأ "الملكية المطلقة".
- الدول الشرق أوسطية ذات الطبيعة السلطوية المطلقة وتحديداً المملكة الأردنية الهاشمية والمملكة المغربية إضافة إلى ليبيا.
ونلاحظ في هذه الدول التسع، أن ستاً منها تشهد حالياً حركة احتجاجات (البحرين، سلطنة عمان، السعودية، الأردن، المغرب إضافة إلى ليبيا)، وأن ثلاثاً منها واقعة تحت تهديد انتقال عدوى الاحتجاجات وهي: قطر، الكويت والإمارات العربية المتحدة، هذا، وبتحليل العامل الرئيسي الدافع لتصاعد الاحتجاجات في هذه الدول ذات الطابع الملكي نلاحظ الآتي:

• تركز الاحتجاجات على المطالبة بضرورة إجراء الإصلاحات السياسية الهيكلية والتي تتضمن الانتقال من صيغة الحكم الملكي المطلق إلى الحكم الملكي الدستوري.
• تأثير العامل الاقتصادي ضعيف في إشعال نيران هذه الاحتجاجات.
• الدعم الخارجي-الدولي ضعيف لجهة مساندة المحتجين.

تأسيساً على المعطيات الجارية وطبيعتها الوصفية والتحليلية السياسية يبدو بكل وضوح أن الجماهير الشعبية في المملكة السعودية والمملكة البحرينية وسلطنة عمان والمملكة الأردنية الهاشمية والمملكة المغربية أصبح أكثر اهتماماً بضرورة التحول من نظام الحكم الملكي المطلق إلى نظام الحكم الملكي الدستوري، ومن الواضح أيضاً أن الملوك والأسر الحاكمة في هذه البلدان سوف تستمر في إبداء كافة مظاهر عدم الاستعداد بقول المطالب الشعبية، وبالمقابل، من المتوقع أن تستمر هذه الاحتجاجات.

* الأنظمة الملكية العربية: سيناريو العنف والعنف المضاد

تشير الوقائع والأحداث الجارية إلى احتمالات كبيرة لجهة تصاعد حركة الاحتجاجات السياسية الشعبية المطالبة بالإصلاحات السياسية في النظم الملكية العربية، بما يتيح التحول من نموذج الملكية المطلقة إلى نموذج الملكية الدستورية، ويبدو هذا الأمر واضحاً من خلال الهتافات القائلة أحياناً بأن الشعب يريد "إصلاح" النظام، وفي أحيان أخرى بأن الشعب يريد "تغيير" النظام، إضافة إلى تصريحات قادة الاحتجاجات والتي ظلت تركز جميعها على ضرورة إجراء الإصلاحات السياسية باتجاه اعتماد الآتي:

- نموذج الملكية الدستورية، أي المقيدة دستورياً، وهو الخيار الذي يمكن عقد الصفقة على أساس قبول الملوك والأسر الحاكمة العمل بمبدأ اقتسام السلطات بحيث يتولى الشعب حكم نفسه، ويتولى الملك مهمة القيام بالأعباء والمهام السيادية الرمزية.
- نموذج نظام الحكم الجمهوري، أي القضاء بشكل نهائي على النظام الملكي، والتحول لنظام الحكم الجمهوري على غرار ما حدث سابقاً في العراق، وما حدث في مصر، وما حدث في اليمن والتي تحولت جميعها من نظام الحكم الملكي إلى نظام الحكم الجمهوري.
الظهور المتزايد للنخب الملكية الحاكمة في البلدان العربية الملكية إزاء عدم الرغبة أو القبول بإجراء أي تعديلات أو التخلي عن مبدأ الصلاحيات المطلقة سوف يؤدي بالضرورة إلى تعقيد الأوضاع.

وحالياً تسعى النخب الملكية العربية الحاكمة إلى انتهاج المزيد من المعالجات الخاطفة، والتي يتمثل أبرزها في الآتي:

• استخدام الآليات الاقتصادية: يبدو استخدام هذه الآليات واضحاً من خلال مخطط دول مجلس التعاون الخليجي الساعي لتقديم ما أطلق عليه الخبراء "مشروع مارشال الخليجي" الساعي لاحتواء أزمة الاحتجاجات السياسية البحرينية عن طريق تقديم الدعم المالي والاقتصادي، بما يؤدي إلى استرضاء المحتجين ودفعهم لخيار التهدئة بدلاً من خيار التصعيد.
• استخدام الآليات القمعية: يبدو استخدام هذه الآليات واضحاً في تعامل السلطات الملكية السعودية والعمانية التي لجأت لضرب المتظاهرين والمحتجين إضافة إلى تنفيذ المزيد من عمليات الاعتقال الوقائي للناشطين في حركات الاحتجاج السياسي.
• استخدام الآليات الإعلامية: يبدو استخدام هذه الآليات واضحاً من خلال دفع القنوات القضائية الخليجية (قناة العربية وقناة الجزيرة) وقنوات الدول الحليفة للأنظمة الملكية الخليجية (بي بي سي، سي إن إن، فوكس نيوز، سي إن بي سي، دويتشه فيلله، الحرة) لجهة القيام بالتركيز على تضخيم مفاعيل حركة الاحتجاجات السياسية الليبية بما يؤدي إلى إغفال الرأي العام عن التطورات الجارية في حركة الاحتجاجات السياسية السعودية والخليجية والأردنية والمغربية.

إذاً، سوف يؤدي استمرار الاحتجاجات السياسية الشعبية الغاضبة في الممالك الأردنية والمغربية والسعودية والبحرينية وسلطنة عمان إلى حدوث التطورات النوعية الآتية:

• اتساع نطاق الاحتجاجات بما يشمل انتقال العدوى إلى كل من قطر والكويت والإمارات العربية المتحدة.
• اتساع شدة الاستقطابات بما يشمل تزايد حجم الكتل الشعبية الاحتجاجية.
• تزايد حدة التمسك بالمطالبات الاحتجاجية من أجل التحول باتجاه اعتماد مبدأ الملكية الدستورية.

عملاً بالمبدأ القائل بأنه عندما تتصلب المواقف فإن التصعيد يؤدي إلى المزيد من التصعيدات والأفعال تؤدي إلى المزيد من ردود الأفعال. وتأسيساً على ذلك، سوف تشهد الأنظمة الملكية العربية الحاكمة سقوط المزيد من ضحايا عمليات العنف السياسي، وبكلمات أخرى، إن لم تستجب الأنظمة الملكية العربية إلى مطلب التحول من مبدأ الملكية المطلقة إلى مبدأ الملكية الدستورية، فإن الطوفان قادم، بما يمكن أن يؤدي إلى نشوء جمهوريات الأردن، السعودية، المغرب، البحرين، عمان، قطر، الكويت والإمارات بدلاً من الملكيات القائمة فيها حالياً. فأيهما أفضل بالنسبة لهذه الملكية: سيناريو "ثورة الملكية الدستورية البريطانية" الذي أدى لقيام الملكية الدستورية المقيدة، أم سيناريو "الثورة الفرنسية" الذي أنهى الملكية وأقام الجمهورية؟

الجمل 2011-03-05
رزان
Senior Member
Senior Member
 
مشاركات: 390
اشترك في: 20 يناير 2009 00:58
حقل مخصص: سورية موطني
مكان الإقامة: Syria
الجنس: Female
الإحصائيات والأدوات:
Get more followers

Re: خارطة الاحتجاجات العربية ومستقبل الأنظمة الملكية والأمير

مشاركةبواسطة Venus » 27 مارس 2011 22:24

نظام جديد يتشكل بالشرق الأوسط

Image
المطالبة برحيل الزعماء سمة جل المظاهرات العربية (رويترز)

تتغير الجغرافيا الطبيعية والمشهد السياسي في آن واحد. فمن المغرب وتونس غرباً إلى مصر وليبيا وسطاً إلى البحرين وسلطنة عمان شرقاً تتشابه هذه الدول في جغرافيتها السياسية، لكن معالمها الطبيعية ربما اختلفت من دولة لأخرى.

في تونس ومصر وكذلك في اليمن وعُمان والبحرين، خرج الناس يطالبون بالديمقراطية ويتحدون حكامهم علنا.

لم تعد الأوضاع كما اعتاد عليها الحكام، وليس من سبيل إلى نجاة أي منهم إلا بالمبادرة بإصلاح جذري لأنظمة الحكم واسترضاء الشعوب.

يقول أستاذ سياسة الشرق الأوسط بكلية الاقتصاد بجامعة لندن، فواز جرجس "هناك شعور بالتمكين. الناس اكتسبوا جرأة، إنهم يدركون أنهم يستطيعون فعلا تغيير حكوماتهم".

لم يكن يخطر ببال أحد أن يأتي يوم تثور فيه الشعوب العربية على حكامها بكل هذا الزخم والإصرار والجرأة لينتزعوا منهم تنازلات لم يكونوا ليقدموها قبل بضعة أشهر فقط.

فكان أن اتضحت سيئات تلك الأنظمة الشمولية وبانت هشاشتها، ولم تعد الأساليب العتيقة تجدي لوأد أي محاولة للانتفاض في مهدها.

يقول رامي خوري -وهو معلق مقيم في بيروت- "النظام بكامله يتغير. يجب أن يتغير الحكام العرب إذ لم يعد بوسعهم استخدام نفس الأساليب التي كانوا يستخدمونها من قبل يجب أن تجري كل دولة بلا استثناء تغييرات".

Image
البوعزيزي الشرارة التي أطلقت الثورات من عقالها (الجزيرة)

في تونس تفجر كل شيء حين شتمت شرطية بائع خضراوات وصفعته على وجهه في إحدى مدن البلاد.

وأشعل محمد البوعزيزي النيران في نفسه احتجاجا. وبعد مرور ثلاثة أشهر على وفاته فإنه لو عاد سيواجه صعوبة في التعرف على المنطقة التي كان يعرفها جيدا.

وفي مصر بدأت الاحتجاجات في شكل مسيرة للتعبير عن الغضب من وحشية الشرطة، وضُرِب الناشط خالد سعيد حتى الموت.

وفي ليبيا كانت الشرارة اعتقال محام متخصص في قضايا حقوق الإنسان في بنغازي. وفي سوريا بدأت الاحتجاجات السلمية في بلدة درعا الحدودية للمطالبة بالإفراج عن 15 من تلاميذ المدارس، سُجِنوا لأنهم كتبوا على الجدران شعارات عن الحرية وردتهم من مصر عن طريق القنوات الفضائية.

وكانت حصيلة كل ذلك حتى الآن هي إسقاط زعيمين شموليين في تونس ومصر، وهناك آخر تحت الحصار في ليبيا، بينما تبدو أيام الرئيس اليمني في الحكم معدودة.

هذا بخلاف مجموعة أخرى من الحكام العرب بدأت عروشهم تهتز تحت أقدامهم.

Image
الأسد وصالح والقذافي: اختلفت الوجوه والظروف واحدة (الجزيرة)

قاسم مشترك

لم يكن القاسم المشترك بين تلك الدول الوضع الاقتصادي والاجتماعي أو عجز الحاكم عن تقديم أموال النفط لاسترضاء المواطنين، بل أيضا لغة وثقافة مشتركة ساعدت في أن تغذي تعطشا لمحاكاة ثورتين ناجحتين في دولتين مجاورتين مثل تونس ومصر.

ولم تؤثر الوعود بالرخاء على الدعوات للتغيير. يقول جرجس "المسألة لا تتعلق بقوت اليوم أو الوظائف وحسب، فالأمر أكبر من هذا إنه متعلق بالحرية في المجتمع".

ويمثل الشبان واحدا من كل اثنين أو ثلاثة من هذه الشعوب العربية التي تنمو بسرعة وقد تخلوا عن عادات اللجوء إلى كبار السن لتصدر أي مسعى لتحدي نظام قديم ينتمي إلى حقبة ما بعد الاستعمار ويتسم بالطغيان والركود.

وانضم الرئيس السوري بشار الأسد إلى صفوف الزعماء الذين يواجهون تحديات. وفي حدث نادر تعهد يوم الخميس علنا بأن يمنح المزيد من الحريات بعد هجمات شنتها قوات الأمن على المحتجين في مدينة درعا بجنوبي سوريا وأسفرت عن سقوط 44 قتيلا.

لقد أضعفت القنوات الفضائية والهواتف المحمولة ومواقع التواصل الاجتماعي قدرة الزعماء على قتل الآلاف دون مواجهة تحدٍ كما كان يحدث في دول عربية في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي.

المصدر: رويترز 27/3/2011
ليس لديك الصلاحيات الكافية لمشاهدة الملفات المرفقة مع هذه المشاركة.
Venus
Senior Member
Senior Member
 
مشاركات: 344
اشترك في: 07 ديسمبر 2008 00:32
مكان الإقامة: Tunisia
الجنس: Female
الإحصائيات والأدوات:
Get more followers

Re: خارطة الاحتجاجات العربية ومستقبل الأنظمة الملكية والأمير

مشاركةبواسطة Venus » 15 إبريل 2011 17:15

دول الخليج بمواجهة العواصف العربية

تشهد منطقة الخليج العربي حالياً بعض تداعيات الانتفاضات الشعبية في العالم العربي وارتداداتها. وقد حاولت دول مجلس التعاون الخليجي أن تتعامل مع تلك التحولات بمبادرات إيجابية أو بحيادية، إلا أن التطورات ما لبثت أن استدعتها إلى اتخاذ مواقف أو خطوات حاسمة أحياناً. ومع ذلك، ظل الميل السائد لديها إلى أن تكون التحولات لمصلحة الاستقرار للدول وشعوبها كافة، كذلك إلى استعدادها لأي مساعدة أو مبادرة تطلب منها لتذليل عقبات أو حل إشكالات يمكن أن تخفف المواجهات هنا أو هناك.

خلال شهر آذار (مارس) الماضي استدعت الأحداث تدخلاً لدول مجلس التعاون أولاً في البحرين، وثانياً في الأزمة الليبية. ومطلع نيسان (أبريل) الحالي اضطرت للتدخل في اليمن. وقد سلط ذلك الأضواء على الدور الذي باتت تلعبه دول الخليج رغم نهجها التقليدي المتحفظ والمحافظ، فهي تفضل عادة عدم التدخل تجنباً لأي تدخل في شؤونها، ولئلا تقحم في جدل ومهاترات لا ترغب فيها. لكن المنطق السياسي الذي فرضته التحولات رشح دول الخليج لأدوار كانت تتصدى لها عادة دول أخرى على رأسها مصر. ولذلك أسباب أهمها أن دول الخليج أعطت مؤشرات إلى أنها مستقرة، وأن أنظمتها لا تعاني تشكيكاً في شرعيتها، فضلاً عن أن تحالفاتها الدولية جعلت أمنها جزءاً لا يتجزأ من استراتيجية دولية غير معرضة للاهتزاز مهما كانت التحديات.

كان لافتاً أن مناخ الانتفاضات الشعبية في العالم العربي فرض نفسه ومفاعيله على مختلف القضايا والنزاعات التي كانت، ولا تزال، تشغل المنطقة. فجأة طرأ جمود يصعب تفسيره أحياناً، بدءاً من أفغانستان، مروراً بالعراق وفلسطين ولبنان، وصولاً إلى أزمة الملف النووي الإيراني، التي دخلت ما يشبه الهدنة المؤقتة. لعل مرد ذلك إلى محورية العالم العربي في السياسات الدولية، وأيضاً إلى أن التغيير الحاصل والمتوقع كان منتظراً منذ أكثر من عقدين. ورغم اختلاف المقاربات الدولية لكل بلد عربي وتحولاته، فإن الدول الكبرى ما لبثت أن بنت رؤية شبه موحدة للتعامل معها. غير أن إيران انفردت بمحاولاتها سواء لركوب الموجة، والإيحاء بأنها متأثرة بثورتها التي مضت عليها ثلاثة عقود، أو لاستغلال الأحداث لتسجيل بعض المكاسب الإقليمية.

هذا ما ظهر بوضوح في الحدث البحريني، حيث كان يمكن للاحتجاجات الشعبية والمطالبة بالإصلاح السياسي أن تفضي إلى توافق بين الحكم والمعارضة على قاعدة تطوير "الميثاق الوطني" وتفعيله. لكن إيران انتهزت كون الجماعات المحتجة من الشيعة، فاخترقت حركتهم ودفعتهم إلى التطرف بحيث أصبحت المطالبة بالإصلاح مطالبة، بل سعياً إلى تغيير النظام. وما كان ممكناً أن يعالج بالحوار والتفاهم تحت سقف الممكن والمعقول، أصبح عصياً على التفاهم؛ مما تطلب العودة إلى الحلول الأمنية التي عادة ما لا تحل أي مشكلة. والأهم أن التدخل الإيراني، المرفق بدور مباشر لـ"حزب الله" اللبناني، دق أجراس الإنذار في مختلف العواصم الخليجية، التي ما لبثت أن اعتمدت تحليلاً موحداً مفاده أن إيران تتدخل في البحرين لتنال من الاستقرار الخليجي عموماً، ثم اعتمدت تصوراً موحداً للرد تمثل بإرسال قوات "درع الجزيرة"، ولو بأعداد رمزية، بطلب من حكومة المنامة ولمساعدتها على تجاوز الجانب الأمني من الأزمة وللحد من الضغوط التي تتعرض لها لتقديم تنازلات سياسية. وقد استوجب هذا التدخل الذهاب خلافاً للرغبة المعلنة للولايات المتحدة بصفتها حليفاً أمنياً.

ليس أدل على الحسم الذي تميزت به هذه الخطوة من ردود الفعل الإيرانية عليها، إذ حاولت طهران عبثاً تقديمها على أنها "تدخل غير مقبول"، أو "غير مشروع"، بل اعتبرتها "احتلالاً"، متجاهلة ما هو معروف ومعلن من حقائق مجلس التعاون الذي ترتبط دوله بتعاقدات دفاعية يمكن تفعيلها تلقائياً وبالتفاهم والتضامن بين هذه الدول. وفيما بعد أثبت القضاء الكويتي وقائع اكتشاف شبكات عدة للتجسس لمصلحة إيران، فوفر دعائم إضافية لاتهام إيران بالتدخل في الشؤون الداخلية لبلد خليجي. ولا شك أن بيان وزراء خارجية دول مجلس التعاون، في اجتماعهم الثالث خلال شهر، وبعض المواقف الحكومية التي واكبته، قد شكلت تحذيراً ردعياً من أن التوتر الإقليمي بلغ ذروته وتنبغي فرملته لأن طرفيه –الخليجي والإيراني- لا يبحثان عن مواجهة. وكان على طهران أن تستخلص الدروس من فشلين واضحين تعرضت لهما في البحرين والكويت، وبدا أنهما نتيجة خطأ في تقدير المواقف.

بالنسبة إلى ليبيا، كان تطرف النظام في ردّه على اندلاع الثورة الشعبية ضده قد أقلق العالم، وبات البلد مرشحاً لمجازر وإبادات معلنة إذا لم يطرأ أي تدخل خارجي يجبر النظام على إعادة النظر في خططه وحساباته. وباستثناء قلة من الدول في العالم، كان هناك شبه إجماع على وجوب التدخل، لكن إرث التدخل في العراق فرض التردد على الولايات المتحدة والدول الأوروبية. لذا جرى البحث عن مشاركة عربية، أو بالأحرى مظلة عربية، وإذا أمكن إسلامية أيضاً، لأي قرار دولي. لم تجد دول مجلس التعاون الخليجي صعوبة في التوصل إلى رؤية مشتركة طرحت على الجامعة العربية تحت عنوان "حماية المدنيين" في ليبيا. ورغم اعتراض بعض الدول أمكن اتخاذ القرار الذي مهد لاعتماد القرار في مجلس الأمن. ولم يقتصر الدور الخليجي هنا على الجانب السياسي، بل تجاوزه إلى المشاركة في العمليات العسكرية التي بدأت بقيادة أمريكية قبل أن تنتقل إلى قيادة الحلف الأطلسي. وفيما تشارك دولتا قطر والإمارات بوحدات جوية رمزية، فإن ذلك أشار إلى مباركة خليجية عامة لهذه الخطوة التي تعتبر سابقة في سياسات مجلس التعاون، خصوصاً أن الهدف المحدد للتدخل الدولي بات يعرف صراحة على أنه تمهيد لنقل السلطة وتغيير النظام من دون إرسال قوات برية إلى الأرض الليبية.

لم تشأ دول الخليج التدخل في اليمن، رغم المخاطر التي يمكن أن يشكلها عليها استمرار أزمته، التي لم تبدأ مع الاحتجاجات الشعبية، وإنما تمتد إلى أعوام وعقود مضت. لكن الأزمة الأخيرة أوهنت نظام علي عبد الله صالح وأفقدته زمام المبادرة السياسية، ورغم مواصلته السيطرة على القبضة الأمنية وتمتعه بتأييد بعض القبائل، إلا أن منطق التغيير فرض نفسه، باعتبار أن النظام لم يتمكن من إنهاء الاحتجاجات المناوئة له، ولم يطرح خطة سياسية ذات مصداقية يمكن أن تغير مجرى الأحداث. ويبدو أن الرئيس صالح عوّل على حاجة الولايات المتحدة والسعودية إليه لمحاربة تنظيم "القاعدة" المتغلغل في اليمن، وبالتالي اعتبر أنهما لن تتخليا عنه تحت أي ظرف. لكن الأزمة بلغت أفقاً مسدوداً ويتطلب تنازلاً من الطرف الذي لم يعد مرغوباً فيه، ثم أن إطالتها باتت تنذر بأن "القاعدة" ستستغلها أقله في تحسين ظروفها استعداداً لمرحلة مقبلة. وعندما طرحت دول مجلس التعاون إمكان القيام بوساطة، كان معلوماً أن الأمريكيين بدؤوا يغيرون موقفهم من علي عبد الله صالح، وفهم أن "الوساطة" يمكن أن تتم بهدف تسهيل تنحي الرئيس لا مساعدته للاستقواء على شعبه. وهذا شكل أيضاً تغييراً في إدارة السياسة الإقليمية من جانب دول مجلس التعاون.

في المرحلة الانتقالية التي يمر بها العالم العربي، ولاسيما دوله الناشطة إقليمياً كمصر وسورية، تبدو دول الخليج مرشحة لأدوار يمكن أن تعتبر الآن مجرد ملء للفراغ، لكنها يمكن أن تؤسس لدور رئيسي دائم لن تستطيع تأديته إلا بشرطين: الأول، تضامن دولها وشعوبها، والثاني صياغة رؤية واضحة لهذا الدور لئلا يدخل في منافسات سياسية تسهل على إيران اختراقها. وفي مختلف الأحوال ينبغي أن تكون هذه الرؤية مرتبطة بمصلحة مشتركة واضحة لدول الخليج، قد تكون، وقد لا تكون، منسجمة دائماً مع رؤى الحليف الأمريكي الذي يفقد في كثير من الأحيان حسّ خصوصيات المنطقة ومصالح دولها. والأهم أن هذا الدور يتطلب وعي ضرورات التطوير والتحديث لمنظومة التعاون بمستوياتها الخليجية العامة وجوانبها الداخلية الخاصة بكل دولة على حدة.

المصدر: مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية 15 أبريل 2011
Venus
Senior Member
Senior Member
 
مشاركات: 344
اشترك في: 07 ديسمبر 2008 00:32
مكان الإقامة: Tunisia
الجنس: Female
الإحصائيات والأدوات:
Get more followers


العودة إلى شــؤون عــربــيــة ودولــيــة

المتواجدون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 1 زائر

cron
This site is hosted by Free-Forums.org - get a forum for free. Get coupon codes.
MultiForums powered by echoPHP phpBB MultiForums